مسكن الفؤاد - الشهيد الثاني - الصفحة ٧٧
فلما فرغنا خرجت إلينا وقالت: يا قوم، هل فيكم من يحسن من كتاب الله شيئا؟ فقلت: نعم، قالت: فاقرأ علي آيات أتعزى بها عن ولدي، فقلت: يقول الله عز وجل: ﴿وبشر الصابرين الذين إذا اصابتهم مصيبة قالوا انا لله وانا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون﴾ (1). قالت: بالله إنها في كتاب الله هكذا؟ قلت: والله إنها لفي كتاب الله هكذا؟ قلت: والله إنها لفي كتاب الله هكذا، فقالت: السلام عليكم، ثم صفت قدميها وصلت ركعات، ثم قالت: اللهم إني قد فعلت ما أمرتني به، فأنجز لي ما وعدتني به، ولو بقي أحد لأحد - قال: فقلت في نفسي تقول: لبقي ابني لحاجتي إليه، فقالت -: لبقي محمد صلى الله عليه وآله لأمته.
فخرجت وأنا أقول: ما رأيت أكمل منها ولا أجزل، ذكرت ربها بأكمل خصاله وأجمل خلاله. ثم إنها لما علمت أن الموت لا مدفع له، ولا محيص عنه، وأن الجزع لا يجدي نفعا، والبكاء لا يرد هالكا، رجعت إلى الصبر الجميل، واحتسبت ابنها عند الله تعالى ذخيرة نافعة ليوم الفقر والفاقة (2).
ونحوه ما أخرجه ابن أبي الدنيا، قال: كان رجل يجلس إلي، فبلغني أنه شاك (3) فأتيته أعوده، فإذا هو قد نزل به الموت، وإذا أم له عجوز كبيرة عنده فجعلت تنظر حتى غمض وعصب وسجي، ثم قالت: رحمك الله، أي بني، فقد كنت بنا بارا، وعلينا شفيقا، فرزقني الله عليك الصبر، فقد كنت تطيل القيام، وتكثر الصيام، لا حرمك الله تعالى ما أملت فيه من رحمته، وأحسن فيك العزاء، ثم نظرت إلي وقالت:
أيها العائد قد رأيت واعظا ونحن معك.
وروي البيهقي عن ذي النون المصري، قال: كنت في الطواف، وإذا أنا بجاريتين قد أقبلتا، وأنشأت إحداهما تقول:
صبرت وكان الصبر خير (مغبة) (4) * وهل جزء مني ليجدي فأجزع صبرت على ما لو تحمل بعضه * جبال برضوى أصبحت تتصدع ملكت دموع العين ثم رددتها * إلى ناظري فالعين في القلب تدمع

(١) البقرة ٢: 155 - 157.
(2) أخرجه المجلسي في البحار 82: 152.
(3) الشاكي: المريض. (الصحاح - شكا - 6: 2395).
(4) في (ح): مطية.
(٧٧)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 ... » »»
الفهرست
الرقم العنوان الصفحة
1 العقل والعدل الإلهي 18
2 أفعاله تعالى غاية مصلحة العبد 19
3 مثال واقعي في دفع المكروهات 20
4 منفعة الولد الدنيوية لأبيه مظنونة 21
5 لا نسبة بين آلام الدنيا وآلام الآخرة 22
6 في الجزع فوات مرتبة الرضا 23
7 الدنيا دار كدر وعناء 24
8 الدنيا قنطرة الآخرة 25
9 الدنيا دار الفناء 26
10 حب الله يقتضي الرضا بأفعاله 27
11 من صفات المحبين لله تعالى 28
12 الباب الأول: في بيان الأعواض الحاصلة عن موت الأولاد وما يقرب من هذا المراد الأعواض عن موت الأولاد 30
13 حكايات ومنامات عن ثواب موت الأولاد 42
14 الباب الثاني: في الصبر وما يلحق به 45
15 الصوم نصف الصبر 46
16 أحاديث شريفة في الصبر 47
17 ثواب الصبر 51
18 ما يثبت الأجر على المصيبة وما يحبطه 53
19 أثر الصلاة في تهوين المصائب 56
20 الجزع محبط للأجر 57
21 محاسن البلاء 58
22 الصبر والجزع كاشفان عن بواطن الناس 59
23 فصل: في نبذ من أحوال السلف عند موت أبنائهم وأحبائهم 60
24 فصل في ذكر جماعة من النساء نقل العلماء صبرهن 68
25 الباب الثالث: في الرضا 79
26 ثواب الراضين بقسمة الله 80
27 الرضا من المقامات العالية 81
28 من معاني الرضا 82
29 من علامات الرضا 83
30 مرتبة الرضا أعلى من مرتبة الصبر 84
31 درجات الرضا 85
32 وقائع ماضية عن الرضا بالقضاء 87
33 الدعاء يدفع البلاء، وسبب تأخير الإجابة 90
34 من أسباب تأخير الإجابة 91
35 الباب الرابع: في البكاء 92
36 البكاء لا ينافي الصبر ولا الرضا بالقضاء 93
37 من الأعمال المنافية للصبر والمحبطة للأجر 99
38 ثواب الاسترجاع عند المصيبة 101
39 النواح الجائز 103
40 استحباب تعزية أهل الميت 105
41 كيفية التعزية 108
42 ذكر المصيبة بفقد الرسول من أعظم المعزيات 110
43 حكايات من لطائف التعازي 111
44 البلاء على قدر الإيمان 113
45 رسالة الإمام الصادق عليه السلام يعزي بني عمه 116