مغني المحتاج - محمد بن أحمد الشربيني - ج ١ - الصفحة ٤٤٥
عن الجميع) أي جميع الخصال المذكورة، (استقرت) أي الكفارة، (في ذمته على الأظهر) لأنه (ص) أمر الاعرابي بأن يكفر بما دفعه إليه مع إخباره بعجزه، فدل على أنها ثابتة في الذمة، لأن حقوق الله تعالى المالية إذا عجز عنها العبد وقت وجوبها، فإن كانت لا بسبب منه كزكاة الفطر لم تستقر، وإن كانت بسبب منه استقرت في ذمته، سواء أكانت على وجه البدل كجزاء الصيد وفدية الحلق أم لا ككفارة الظهار والقتل واليمين والجماع ودم التمتع والقران. فإن قيل:
لو استقرت لأمر (ص) المواقع بإخراجها بعد. أجيب بأن تأخير البيان لوقت الحاجة جائز وهو وقت القدرة. ( فإذا قدر على خصلة) منها (فعلها) كما لو كان قادرا عليها حال الوجوب، وهذا يقتضي أن الثابت في ذمته أحد الخصال، فيكون مخيرا بينها، وهو ما قاله القاضي أبو الطيب. وكلام التنبيه يقتضي أن الثابت في ذمته هو الخصلة الأخيرة، وكلام الجمهور يقتضي أنه الكفارة وأنها مرتبة في الذمة، وبه صرح ابن دقيق العيد، وهو كما قال شيخنا: المعتمد. ثم إن قدر على خصلة فعلها أو أكثر رتب، والثاني: لا تستقر، بل تسقط كزكاة الفطر. (والأصح أن له العدول عن الصوم إلى الاطعام لشدة الغلمة) وهي بغين معجمة مضمومة ولام ساكنة: شدة الحاجة للنكاح، لأن حرارة الصوم وشدة الغلمة قد يفضيان به إلى الوقاع ولو في يوم واحد من الشهرين، وذلك يقتضي استئنافهما لبطلان التتابع، وهو حرج شديد.
والثاني: لا، لأنه قادر على الصوم فلم يجز العدول عنه كصوم رمضان. (و) الأصح (أنه لا يجوز للفقير صرف كفارته إلى عياله) كالزكاة وسائر الكفارات، وأما قوله (ص) في الخبر: أطعمه أهلك ففي الام كما في الرافعي: يحتمل أنه لما أخبره بفقره صرفه له صدقة، أو أنه ملكه إياه وأمره بالتصدق به، فلما أخبره بفقره أذن له في صرفها لهم للاعلام بأنها إنما تجب بعد الكفاية، وأنه تطوع التكفير عنه، وسوغ له صرفها لأهله للاعلام بأن لغير المكفر التطوع بالتكفير عنه بإذنه، وأن له صرفها لأهل المكفر عنه، أي وله، فيأكل هو وهم منها كما صرح به الشيخ أبو علي السنجي والقاضي نقلا عن الأصحاب. وحاصل الاحتمالين الأولين أنه صرف له ذلك تطوعا، قال ابن دقيق العيد: وهو الأقرب اه‍. وقد يقال: إن قول المصنف وأنه لا يجوز للفقير صرف كفارته إلى عياله قد يكون احترز به عن هذه المسألة، فإن الصارف فيها إنما هو الأجنبي المكفر.
خاتمة: من فاته شئ من رمضان استحب أن يقضيه متتابعا، ويكره لمن عليه قضاء رمضان أن يتطوع بصوم، قاله الجرجاني: فلو نذر صوم شعبان أبدا وأسر مثلا، فتحرى وصام رجبا على أنه شعبان وصام شعبان على أنه رمضان، ثم تبين له الحال بعد رمضان لزمه قضاء شهرين: أحدهما عن شعبان والآخر عن رمضان ولا إطعام عليه، قاله الماوردي.
باب صوم التطوع:
والتطوع: التقرب إلى الله تعالى بما ليس بفرض من العبادات، وتعبير المصنف هنا به وفي الصلاة بالنفل موافق لقوله تعالى: * (ومن تطوع خيرا) * الآية، * (ومن الليل فتهجد به نافلة لك) *. ولا شك أن الصوم من أفضل العبادات، ففي الصحيحين: من صام يوما في سبيل الله باعد الله تعالى وجهه عن النار سبعين خريفا، وفي الحديث: كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به، واختلفوا في معناه على أقوال تزيد على خمسين قولا. قال السبكي: من أحسنها قول سفيان بن عيينة: إنه يوم القيامة يتعلق خصماء المرء بجميع أعماله إلا الصوم فإنه لا سبيل لهم عليه، فإنه إذا لم يبق إلا الصوم يتحمل الله تعالى عنه ما بقي من المظالم، ويدخله بالصوم الجنة. قال بعضهم: وهذا مردود بحديث مسلم عن أبي هريرة أن النبي (ص) قال: أتدرون من المفلس؟ ثم ذكر أنه رجل يأتي يوم القيامة وقد ظلم هذا
(٤٤٥)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 440 441 442 443 444 445 446 447 448 449 450 ... » »»
الفهرست
الرقم العنوان الصفحة
1 خطبة الكتاب 2
2 كتاب الطهارة 16
3 باب أسباب الحدث 31
4 فصل في آداب الخلاء وفي الاستنجاء 39
5 باب الوضوء 46
6 باب مسح الخف 63
7 باب الغسل 68
8 باب النجاسة 77
9 باب التيمم 86
10 فصل في بيان أركان التيمم وكيفيته وغير ذلك 96
11 باب الحيض وما يذكر معه من الاستحاضة الخ 108
12 فصل إذا رأت المرأة من الدماء الخ 113
13 كتاب الصلاة 120
14 فصل إنما تجب الصلاة على كل مسلم الخ 130
15 فصل الأذان والإقامة سنة 133
16 فصل استقبال القبلة شرط لصلاة القادر الخ 142
17 باب صفة الصلاة 148
18 باب شروط الصلاة 184
19 فصل تبطل الصلاة بالنطق بحرفين الخ 194
20 باب سجود السهو 204
21 باب تسن سجدات التلاوة 214
22 باب صلاة النفل 219
23 كتاب صلاة الجماعة 229
24 فصل في صفات الأئمة 237
25 فصل يذكر فيه بعض شروط الاقتداء وآدابه 245
26 فصل: شرط القدوة أن ينوي المأموم الخ 252
27 فصل تجب متابعة الامام في أفعال الصلاة الخ 255
28 فصل في قطع القدوة وما تنقطع به وما يتبعهما 259
29 باب كيفية صلاة المسافر 262
30 فصل في شروط القصر وما يذكر معه 266
31 فصل في الجمع بين الصلاتين 271
32 باب صلاة الجمعة 276
33 فصل في الأغسال المسنونة في الجمعة وغيرها وما يذكر معها 290
34 فصل في بيان ما تدرك به الجمعة وما لا تدرك به، وجواز الاستخلاف وعدمه 296
35 باب صلاة الخوف 301
36 فصل فيما يجوز لبسه للمحارب وغيره وما لا يجوز 306
37 باب صلاة العيدين 310
38 فصل في التكبير المرسل والمقيد 314
39 باب صلاة الكسوفين 316
40 باب صلاة الاستسقاء 321
41 باب في حكم تارك الصلاة المفروضة على الأعيان 327
42 كتاب الجنائز 329
43 فصل في تكفين الميت وحمله 336
44 فصل في الصلاة على الميت المسلم غير الشهيد 340
45 فصل في دفن الميت وما يتعلق به 351
46 مسائل منثورة 356
47 كتاب الزكاة باب زكاة الحيوان 368
48 فصل إن اتحد نوع الماشية 374
49 باب زكاة النبات 381
50 باب زكاة النقد 389
51 باب زكاة المعدن والركاز والتجارة 394
52 فصل شرط زكاة التجارة الحول والنصاب الخ 397
53 باب زكاة الفطر 401
54 باب من تلزمه الزكاة وما تجب فيه 408
55 فصل في أداء زكاة المال 413
56 فصل في تعجيل الزكاة وما يذكر معه 415
57 كتاب الصيام 420
58 فصل في أركان الصوم 423
59 فصل شرط الصوم الامساك عن الجماع الخ 427
60 فصل شرط الصوم الاسلام والعقل الخ 432
61 فصل في شروط وجوب صوم رمضان 436
62 فصل في فدية الصوم الواجب 438
63 فصل في موجب كفارة الصوم 442
64 باب صوم التطوع 445
65 كتاب الاعتكاف 449
66 فصل في حكم الاعتكاف المنذور 455
67 كتاب الحج 459
68 باب المواقيت 471
69 باب الإحرام 476
70 فصل في ركن الاحرام وما يطلب للمحرم الخ 478
71 باب دخول مكة 482
72 فصل فيما يطلب في الطواف من واجبات وسنن 485
73 فصل فيما يختم به الطواف وبيان كيفية السعي 493
74 فصل في الوقوف بعرفة وما يذكر معه 495
75 فصل في المبيت بمزدلفة والدفع منها وفيما يذكر معها 499
76 فصل في المبيت بمنى ليالي أيام التشريق 505
77 فصل في بيان أركان الحج والعمرة وكيفية أداء النسكين وما يتعلق بذلك 513
78 باب محرمات الإحرام 518
79 باب الإحصار والفوات 532