مغني المحتاج - محمد بن أحمد الشربيني - ج ١ - الصفحة ٣٢٨
الصوم والزكاة والحج، ولخبر: لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه، المفارق للجماعة ولأنه لا يقتل بترك القضاء مردود بأن القياس متروك بالنصوص، والخبر عام مخصوص بما ذكر وقتله خارج الوقت إنما هو للترك بلا عذر. على أنا نمنع أنه لا يقتل بترك القضاء مطلقا، بل في ذلك تفصيل يأتي في خاتمة الباب.
ويقتل بترك الجمعة ولو قال أصليها ظهرا كما في زيادة الروضة عن الشاشي، واختاره ابن الصلاح، وقال في التحقيق: إنه الأقوى لتركها بلا قضاء، إذ الظهر ليس قضاء عنها خلافا لما في فتاوى الغزالي، وجزم به في الحاوي الصغير من عدم القتل.
ويقتل بخروج وقتها بحيث لا يتمكن من فعلها إن لم يتب، فإن تاب لم يقتل، وتوبته أن يقول لا أتركها بعد ذلك كسلا.
ومحل الخلاف كما قال الأذرعي فيمن لزمه الجمعة إجماعا، فإن أبا حنيفة يقول: لا جمعة إلا على أهل مصر جامع. ومقابل الصحيح أوجه: أحدها: يقتل إذا ضاق وقت الثانية، لأن الواحد يحتمل تركها لشبهة الجمع. والثاني: إذا ضاق وقت الرابعة، لأن الثلاث أقل الجمع فاغتفرت. والثالث: إذا ترك أربع صلوات، قال ابن الرفعة: لأنه يجوز أن يكون قد استند إلى تأويل من ترك النبي (ص) يوم الخندق أربع صلوات. والرابع: إذا صار الترك له عادة. والخامس: لا يعتبر وقت الضرورة. (ويستتاب) عن الكل قبل القتل، لأنه ليس أسوأ حالا من المرتد، وهي مندوبة كما صححه في التحقيق وإن كان قضية كلام الروضة والمجموع أنها واجبة كاستتابة المرتد. والفرق على الأول أن جريمة المرتد تقتضي الخلود في النار فوجبت الاستتابة رجاء نجاته من ذلك، بخلاف تارك الصلاة، فإن عقوبته أخف، لكونه يقتل حدا، بل مقتضى ما قاله المصنف في فتاويه من كون الحدود تسقط الاثم أنه لا يبقى عليه شئ بالكلية، لأنه قد حد على هذه الجريمة، والمستقبل لم يخاطب به وتوبته على الفور، لأن الامهال يؤدي إلى تأخير صلوات. وفي قول يمهل ثلاثة أيام، والقولان في الندب، وقيل في الوجوب. ولو قتله في مدة الاستتابة أو قبلها إنسان أثم، ولا ضمان عليه كقاتل المرتد. ولو جن أو سكر قبل فعل الصلاة لم يقتل، فإن قتل وجب القود، بخلاف نظيره في المرتد لا قود على قاتله لقيام الكفر، ذكره في المجموع.
وقول الأذرعي: نعم إن كان قد توجه عليه القتل وعاند قبل جنونه أو سكره فإنه لا قود على قاتله مبني على أن التوبة واجبة. (ثم) إن لم يتب ولم يبد عذرا (تضرب عنقه) بالسيف، (وقيل: ينخس بحديدة) وقيل: يضرب بخشبة أي عصا، (حتى يصلي أو يموت) لأن المقصود حمله على الصلاة لا قتله. (و) بعد الموت حكمه حكم المسلم الذي لم يترك الصلاة من أنه (يغسل) ثم يكفن (ويصلي عليه) بعد غسله، كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى في الباب الآتي. (ويدفن مع المسلمين) في مقابرهم، (ولا يطمس قبره) كسائر أصحاب الكبائر من المسلمين. وقيل: لا يفعل معه شئ من هذه الأشياء ويطمس قبره إهانة له، وعلى هذا يدفن في مقبرة منفردة كما قاله بعض المتأخرين، لا في مقابر المسلمين ولا في مقابر الكفار. فإن أبدى عذرا كأن قال: تركتها ناسيا أو للبرد أو لعدم الماء أو لنجاسة كانت علي أو نحوها من الاعذار صحيحة كانت في نفس الامر أو باطلة لم يقتل، لأنه لم يتحقق منه تعمد تأخيرها عن الوقت بغير عذر، لكن نأمره بها بعد ذكر العذر وجوبا في العذر الباطل، وندبا في الصحيح، كما قاله شيخنا، بأن نقول له: صل فإن امتنع لم يقتل لذلك. فإن قال: تعمدت تركها بلا عذر، قتل سواء أقال ولم أصلها أو سكت، لتحقق جنايته بتعمد التأخير.
تنبيه: قول المتن: ثم تضرب عنقه قيده الأسنوي وغيره بما إذا لم يتب ولا حاجة إليه، لأن الكلام فيما إذا تركها فإذا صلاها زال الترك. فإن قيل: لم لم يقل وإن تاب فإنه يقتل حدا والحدود لا تسقط بالتوبة، والقتل على التأخير عن الوقت عمدا كما في زيادة الروضة، وقد وجد فكيف تنفعه التوبة، فهي كمن سرق نصابا ثم رده فإن القطع لا يسقط؟ أجيب بأن الحد إنما هو على ترك فعل الصلاة، وقد فعل الصلاة التي كان الحد لأجل تركها كما قاله الأذرعي وغيره، أو أنه أعطى تأخير الصلاة عن الوقت عمدا مع تركها، فالعلة مركبة منهما كما قاله ابن شهبة فإذا صلى زالت العلة وهذا أولى.
خاتمة: من ترك الصلاة بعذر كنوم أو نسيان لم يلزمه قضاؤها فورا، لكن يسن له المبادرة بها أو بلا عذر لزمه
(٣٢٨)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 323 324 325 326 327 328 329 330 331 332 333 ... » »»
الفهرست
الرقم العنوان الصفحة
1 خطبة الكتاب 2
2 كتاب الطهارة 16
3 باب أسباب الحدث 31
4 فصل في آداب الخلاء وفي الاستنجاء 39
5 باب الوضوء 46
6 باب مسح الخف 63
7 باب الغسل 68
8 باب النجاسة 77
9 باب التيمم 86
10 فصل في بيان أركان التيمم وكيفيته وغير ذلك 96
11 باب الحيض وما يذكر معه من الاستحاضة الخ 108
12 فصل إذا رأت المرأة من الدماء الخ 113
13 كتاب الصلاة 120
14 فصل إنما تجب الصلاة على كل مسلم الخ 130
15 فصل الأذان والإقامة سنة 133
16 فصل استقبال القبلة شرط لصلاة القادر الخ 142
17 باب صفة الصلاة 148
18 باب شروط الصلاة 184
19 فصل تبطل الصلاة بالنطق بحرفين الخ 194
20 باب سجود السهو 204
21 باب تسن سجدات التلاوة 214
22 باب صلاة النفل 219
23 كتاب صلاة الجماعة 229
24 فصل في صفات الأئمة 237
25 فصل يذكر فيه بعض شروط الاقتداء وآدابه 245
26 فصل: شرط القدوة أن ينوي المأموم الخ 252
27 فصل تجب متابعة الامام في أفعال الصلاة الخ 255
28 فصل في قطع القدوة وما تنقطع به وما يتبعهما 259
29 باب كيفية صلاة المسافر 262
30 فصل في شروط القصر وما يذكر معه 266
31 فصل في الجمع بين الصلاتين 271
32 باب صلاة الجمعة 276
33 فصل في الأغسال المسنونة في الجمعة وغيرها وما يذكر معها 290
34 فصل في بيان ما تدرك به الجمعة وما لا تدرك به، وجواز الاستخلاف وعدمه 296
35 باب صلاة الخوف 301
36 فصل فيما يجوز لبسه للمحارب وغيره وما لا يجوز 306
37 باب صلاة العيدين 310
38 فصل في التكبير المرسل والمقيد 314
39 باب صلاة الكسوفين 316
40 باب صلاة الاستسقاء 321
41 باب في حكم تارك الصلاة المفروضة على الأعيان 327
42 كتاب الجنائز 329
43 فصل في تكفين الميت وحمله 336
44 فصل في الصلاة على الميت المسلم غير الشهيد 340
45 فصل في دفن الميت وما يتعلق به 351
46 مسائل منثورة 356
47 كتاب الزكاة باب زكاة الحيوان 368
48 فصل إن اتحد نوع الماشية 374
49 باب زكاة النبات 381
50 باب زكاة النقد 389
51 باب زكاة المعدن والركاز والتجارة 394
52 فصل شرط زكاة التجارة الحول والنصاب الخ 397
53 باب زكاة الفطر 401
54 باب من تلزمه الزكاة وما تجب فيه 408
55 فصل في أداء زكاة المال 413
56 فصل في تعجيل الزكاة وما يذكر معه 415
57 كتاب الصيام 420
58 فصل في أركان الصوم 423
59 فصل شرط الصوم الامساك عن الجماع الخ 427
60 فصل شرط الصوم الاسلام والعقل الخ 432
61 فصل في شروط وجوب صوم رمضان 436
62 فصل في فدية الصوم الواجب 438
63 فصل في موجب كفارة الصوم 442
64 باب صوم التطوع 445
65 كتاب الاعتكاف 449
66 فصل في حكم الاعتكاف المنذور 455
67 كتاب الحج 459
68 باب المواقيت 471
69 باب الإحرام 476
70 فصل في ركن الاحرام وما يطلب للمحرم الخ 478
71 باب دخول مكة 482
72 فصل فيما يطلب في الطواف من واجبات وسنن 485
73 فصل فيما يختم به الطواف وبيان كيفية السعي 493
74 فصل في الوقوف بعرفة وما يذكر معه 495
75 فصل في المبيت بمزدلفة والدفع منها وفيما يذكر معها 499
76 فصل في المبيت بمنى ليالي أيام التشريق 505
77 فصل في بيان أركان الحج والعمرة وكيفية أداء النسكين وما يتعلق بذلك 513
78 باب محرمات الإحرام 518
79 باب الإحصار والفوات 532