مغني المحتاج - محمد بن أحمد الشربيني - ج ١ - الصفحة ١٢٥
إنها العشاء وهم يعتمون بالإبل بفتح أوله وضمه، وفي رواية، بحلاب الإبل، قال في شرح مسلم: معناه أنهم يسمونها العتمة لكونهم يعتمون بحلاب الإبل، أي يؤخرونه إلى شدة الظلام. والله تعالى إنما سماها في كتابه العشاء. وما ذكره من كراهة تسمية العشاء عتمة وهو ما جزم به في التحقيق وزوائد الروضة، لكن قال في المجموع: نص في الام على أنه يستحب أن لا تسمى بذلك، وهو مذهب محققي أصحابنا، وقالت طائفة قليلة: يكره. قال في المهمات: فظهر أن الفتوى على عدم الكراهة. وقال في العباب: ويندب أن لا تسمى العشاء عتمة ولا يكره أن يقال للمغرب والعشاء العشاءان ولا العشاء العشاء الآخرة. فإن قلت: قد سميت في الحديث عتمة لقوله (ص): لو تعلمون ما في الصبح والعتمة. أجيب بأنه خاطب بالعتمة من لا يعرف العشاء، أو أنه استعمله لبيان الجواز وأن النهي للتنزيه. (و) يكره (النوم قبلها) أي صلاة العشاء بعد دخول وقتها لأنه (ص) كان يكره ذلك، متفق عليه. والمعنى فيه خوف استمراره إلى خروج الوقت، ولهذا قال ابن الصلاح: إن هذه الكراهة تعم سائر الصلوات، ومحله إذا ظن تيقظه في الوقت وإلا حرم عليه ولو تيقظ في الوقت إلا أنه غلبه النوم فلا يعصي بل ولا يكره له ذلك لعذره. قال الأسنوي: وينبغي أن يكره أيضا قبل دخول العشاء، وإن كان بعد فعل المغرب للمعنى السابق اه‍. والظاهر عدم الكراهة قبل دخول الوقت لأنه لم يخاطب بها ولا يحرم عليه إذا غلب على ظنه استغراق الوقت لما ذكر. (و) يكره (الحديث بعدها) أي بعد فعلها لأنه (ص) كان يكره ذلك متفق عليه . وعلل ذلك بأن نومه يتأخر فيخاف فوت صلاة الليل وإن كان له صلاة ليل، أو فوت الصبح عن وقتها أو عن أوله، ولتقع الصلاة التي هي أفضل الأعمال خاتمة عمله، والنوم أخو الموت، وربما مات في نومه. وقضية هذا أنه لا يكره بين الفرض والنافلة، وعلله بعضهم بأن الله تعالى جعل الليل سكنا، وهذا يخرجه عن ذلك. والمراد الحديث المباح في غير هذا الوقت، أما المكروه، فهو أشد كراهة. وشمل إطلاقه ما لو جمع العشاء مع المغرب تقديما، قال الأسنوي: والمتجه خلافه. والأول أوجه لما تقدم في بعض التعاليل. ولو تحدث قبلها فمفهوم كلامهم عدم الكراهة. قال ابن النقيب: ولو قيل إنه بالكراهة أولى لزيادة المحذور بتأخير العشاء على القول بأفضلية التقديم لكان له وجه ظاهر. (إلا في خير والله أعلم) كقراءة قرآن وحديث، ومذاكرة فقه، وإيناس ضيف وزوجة عند زفافها، وتكلم بما دعت الحاجة إليه كحساب، ومحادثة الرجل أهله لملاطفة أو نحوها، فلا كراهة لأن ذلك خير ناجز فلا يترك لمفسدة متوهمة. وروى الحاكم عن عمران بن حصين قال: كان النبي (ص) يحدثنا عامة ليله عن بني إسرائيل. واستثنى بعضهم من كراهة الحديث بعدها المسافر، ومن كراهة الحديث قبلها إذا قلنا به المنتظر لصلاة الجماعة بعد مضي وقت الاختيار لقوله (ص): لا سمر بعد العشاء إلا لمصل أو مسافر رواه الإمام أحمد في مسنده.
فائدة: روى مسلم عن النواس بن سمعان قال: ذكر رسول الله (ص) الدجال ولبثه في الأرض أربعين يوما، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم، قلنا: فذلك اليوم الذي كسنة يكفينا فيه صلاة يوم؟
قال: لا، اقدروا له قدره قال الأسنوي: فيستثني هذا اليوم مما ذكر في المواقيت، ويقاس به اليومان التاليان له.
قال في المجموع: وهذه مسألة سيحتاج إليها، نص على حكمها رسول الله (ص) اه‍. واعلم أن وجوب هذه الصلوات موسع إلى أن يبقى ما يسعها، وإذا أراد تأخيرها إلى أثناء وقتها لزمه العزم على فعلها في الوقت على الأصح في التحقيق والمجموع، فإن أخرها مع العزم على ذلك ومات في أثناء الوقت وقد بقي منه ما يسعها قبل فعلها لم يعص، بخلاف الحج إذا مات بعد التمكن من فعله ولم يفعله، لأن الصلاة لها وقت محدود ولم يقصر بإخراجها عنه. نعم إن غلب على ظنه أنه يموت في أثناء الوقت بعد مضي قدرها كأن لزمه قود فطالبه ولي الدم باستيفائه، فأمر الإمام بقبله تعينت الصلاة في أول الوقت فيعصي بتأخيرها عنه لأن الوقت تضيق عليه بظنه، وقضية كلام التحقيق أن الشك كالظن. وأما الحج فآخر وقته غير معلوم فأبيح له تأخيره بشرط أن يبادره الموت، فإذا لم يبادره فقد قصر بإخراجه عن وقته بموته قبل الفعل.
والأفضل أن يصليها أول وقتها كما قال: (ويسن تعجيل الصلاة لأول الوقت) إذا تيقنه ولو عشاء، لقوله (ص) في جواب
(١٢٥)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 120 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 ... » »»
الفهرست
الرقم العنوان الصفحة
1 خطبة الكتاب 2
2 كتاب الطهارة 16
3 باب أسباب الحدث 31
4 فصل في آداب الخلاء وفي الاستنجاء 39
5 باب الوضوء 46
6 باب مسح الخف 63
7 باب الغسل 68
8 باب النجاسة 77
9 باب التيمم 86
10 فصل في بيان أركان التيمم وكيفيته وغير ذلك 96
11 باب الحيض وما يذكر معه من الاستحاضة الخ 108
12 فصل إذا رأت المرأة من الدماء الخ 113
13 كتاب الصلاة 120
14 فصل إنما تجب الصلاة على كل مسلم الخ 130
15 فصل الأذان والإقامة سنة 133
16 فصل استقبال القبلة شرط لصلاة القادر الخ 142
17 باب صفة الصلاة 148
18 باب شروط الصلاة 184
19 فصل تبطل الصلاة بالنطق بحرفين الخ 194
20 باب سجود السهو 204
21 باب تسن سجدات التلاوة 214
22 باب صلاة النفل 219
23 كتاب صلاة الجماعة 229
24 فصل في صفات الأئمة 237
25 فصل يذكر فيه بعض شروط الاقتداء وآدابه 245
26 فصل: شرط القدوة أن ينوي المأموم الخ 252
27 فصل تجب متابعة الامام في أفعال الصلاة الخ 255
28 فصل في قطع القدوة وما تنقطع به وما يتبعهما 259
29 باب كيفية صلاة المسافر 262
30 فصل في شروط القصر وما يذكر معه 266
31 فصل في الجمع بين الصلاتين 271
32 باب صلاة الجمعة 276
33 فصل في الأغسال المسنونة في الجمعة وغيرها وما يذكر معها 290
34 فصل في بيان ما تدرك به الجمعة وما لا تدرك به، وجواز الاستخلاف وعدمه 296
35 باب صلاة الخوف 301
36 فصل فيما يجوز لبسه للمحارب وغيره وما لا يجوز 306
37 باب صلاة العيدين 310
38 فصل في التكبير المرسل والمقيد 314
39 باب صلاة الكسوفين 316
40 باب صلاة الاستسقاء 321
41 باب في حكم تارك الصلاة المفروضة على الأعيان 327
42 كتاب الجنائز 329
43 فصل في تكفين الميت وحمله 336
44 فصل في الصلاة على الميت المسلم غير الشهيد 340
45 فصل في دفن الميت وما يتعلق به 351
46 مسائل منثورة 356
47 كتاب الزكاة باب زكاة الحيوان 368
48 فصل إن اتحد نوع الماشية 374
49 باب زكاة النبات 381
50 باب زكاة النقد 389
51 باب زكاة المعدن والركاز والتجارة 394
52 فصل شرط زكاة التجارة الحول والنصاب الخ 397
53 باب زكاة الفطر 401
54 باب من تلزمه الزكاة وما تجب فيه 408
55 فصل في أداء زكاة المال 413
56 فصل في تعجيل الزكاة وما يذكر معه 415
57 كتاب الصيام 420
58 فصل في أركان الصوم 423
59 فصل شرط الصوم الامساك عن الجماع الخ 427
60 فصل شرط الصوم الاسلام والعقل الخ 432
61 فصل في شروط وجوب صوم رمضان 436
62 فصل في فدية الصوم الواجب 438
63 فصل في موجب كفارة الصوم 442
64 باب صوم التطوع 445
65 كتاب الاعتكاف 449
66 فصل في حكم الاعتكاف المنذور 455
67 كتاب الحج 459
68 باب المواقيت 471
69 باب الإحرام 476
70 فصل في ركن الاحرام وما يطلب للمحرم الخ 478
71 باب دخول مكة 482
72 فصل فيما يطلب في الطواف من واجبات وسنن 485
73 فصل فيما يختم به الطواف وبيان كيفية السعي 493
74 فصل في الوقوف بعرفة وما يذكر معه 495
75 فصل في المبيت بمزدلفة والدفع منها وفيما يذكر معها 499
76 فصل في المبيت بمنى ليالي أيام التشريق 505
77 فصل في بيان أركان الحج والعمرة وكيفية أداء النسكين وما يتعلق بذلك 513
78 باب محرمات الإحرام 518
79 باب الإحصار والفوات 532