مغني المحتاج - محمد بن أحمد الشربيني - ج ١ - الصفحة ١٨
من الماء على صورة حيوان، وما ينعقد ملحا لأن اسم الماء يتناوله في الحال وإن تغير بعد، أو كان رشح بخار الماء لأنه ماء حقيقة. وينقص بقدره وهو المعتمد كما صححه المصنف في مجموعه وغيره، وإن قال الرافعي: نازع فيه عامة الأصحاب وقالوا يسمونه بخارا ورشحا لا ماء على الاطلاق، وخرج بذلك الخل ونحوه وما لا يذكر إلا مقيدا كما مر، وتراب التيمم وحجر الاستنجاء وأدوية الدباغ والشمس والنار والريح وغيرها حتى التراب في غسلات الكلب، فإن المزيل هو الماء بشرط امتزاجه بالتراب في غسلة منها كما سيأتي في بابه. وإنما تعين الماء في رفع الحدث لقوله تعالى: * (فلم تجدوا ماء فتيمموا) * والامر للوجوب، فلو رفع غير الماء لما وجب التيمم عند فقده. ونقل ابن المنذر وغيره الاجماع على اشتراطه في الحدث وفي إزالة النجس، لقوله (ص) في خبر الصحيحين حين بال الاعرابي في المسجد: صبوا عليه ذنوبا من ماء والذنوب بفتح الذال المعجمة: الدلو الممتلئة ماء. والامر للوجوب كما مر، فلو كفى غيره لما وجب غسل البول به.
ولا يقاس به غيره، لأن الطهر به عند الإمام تعبد وعند غيره لما فيه من الرقة واللطافة التي لا توجد في غيره، وحمل الماء في الآية والحديث على المطلق لتبادر الأذهان إليه.
فائدة: اعترض بعضهم على الشافعي في قوله: كل ماء من بحر عذب أو مالح فالتطهير به جائز بأنه لحن، وإنما يصح ماء ملح، وهو مخطئ في ذلك، قال الشاعر:
فلو تفلت في البحر والبحر مالح لأصبح ماء البحر من ريقها عذبا بل فيه أربعة لغات: ملح ومالح ومليح وملاح، ولكن فهمه السقيم أداه إلى ذلك كما قال الشاعر:
وكم من عائب قولا صحيحا وآفته من الفهم السقيم ولكن تأخذ الآذان منه على قدر القريحة والفهوم وعدل المصنف عن قول المحرر لا يجوز ليشترط، قال في الدقائق: لأنه لا يلزم من عدم الجواز الاشتراط، لكنه قال في مجموعه بأن يجوز يستعمل تارة بمعنى يصح، وتارة بمعنى يحل، وتارة يصلح للامرين، وهو هنا يصلح لهما اه‍، أي فيكون هو المراد، فنفي الجواز يستلزم نفي الصحة والحل معا بناء على الأصح من جواز استعمال المشترك في معنييه كما وجه به المصنف عبارة المهذب في شرحه، أي فهو أبلغ من التعبير ب‍ يشترط لدلالته عليهما بالمنطوق، وعلى هذا فالتعبير ب‍ لا يجوز أولى كما قيل. وأجيب بأن لفظة يشترط تقتضي توقف الرفع على الماء، ولفظة لا يجوز مترددة بين تلك المعاني ولا قرينة، فالتعبير بيشترط أولى. ورد بمنع التردد لأنه إن حمل المشترك على جميع معانيه عموما كما قاله الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه فظاهر وإلا حمل على جميعها هنا بقرينة السياق والتبويب. وأورد على التعريف المتغير كثيرا بما لا يؤثر فيه كطين وطحلب وبما في مقره وممره، فإنه مطلق مع أنه لم يعبر عما ذكر. وأجيب بمنع بأنه مطلق، وإنما أعطي حكمه في جواز التطهر به للضرورة فهو مستثنى من غير المطلق. على أن الرافعي قال: أهل اللسان والعرف لا يمتنعون من إيقاع اسم الماء المطلق عليه فعليه لا إيراد، ولا يرد الماء القليل الذي وقعت فيه نجاسة ولم تغيره، ولا المستعمل لأنه غير مطلق.
فائدة: الماء ممدود على الأفصح، وأصله موه تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا ثم أبدلت الهاء همزة. ومن عجيب لطف الله أنه أكثر منه ولم يحوج فيه إلى كثير معالجة لعموم الحاجة إليه. (فالمتغير) بشئ (مستغنى) بفتح النون وكسرها (عنه) طاهر مخالط، (كزعفران) وماء شجر ومنى وملح جبلي، (تغيرا يمنع) لكثرته (إطلاق اسم الماء) عليه، (غير طهور) سواء أكان قليلا أم كثيرا لأنه لا يسمى ماء، ولهذا لو حلف لا يشرب ماء فشرب ذلك أو وكل في زاوية أو اشتراه وكيله لم يحنث ولم يقع الشراء له، وسواء أكان التغير حسيا أم تقديريا، حتى لو وقع في الماء مائع يوافقه في الصفات كماء الورد المنقطع الرائحة فلم يتغير، ولو قدرناه بمخالف وسط كلون العصير وطعم الرمان وريح اللاذن لغير ضر بأن تعرض عليه جميع هذه الصفات لا المناسب للواقع فيه فقط خلافا لبعضهم. ولا يقدر بالأشد كلون الحبر وطعم الخل وريح المسك بخلاف الخبث لغلظه، فلو لم يؤثر فيه الخليط حسا ولا تقديرا استعمله كله، وكذا لو استهلكت النجاسة المائعة في ماء كثير. وإذا لم يكفه
(١٨)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 ... » »»
الفهرست
الرقم العنوان الصفحة
1 خطبة الكتاب 2
2 كتاب الطهارة 16
3 باب أسباب الحدث 31
4 فصل في آداب الخلاء وفي الاستنجاء 39
5 باب الوضوء 46
6 باب مسح الخف 63
7 باب الغسل 68
8 باب النجاسة 77
9 باب التيمم 86
10 فصل في بيان أركان التيمم وكيفيته وغير ذلك 96
11 باب الحيض وما يذكر معه من الاستحاضة الخ 108
12 فصل إذا رأت المرأة من الدماء الخ 113
13 كتاب الصلاة 120
14 فصل إنما تجب الصلاة على كل مسلم الخ 130
15 فصل الأذان والإقامة سنة 133
16 فصل استقبال القبلة شرط لصلاة القادر الخ 142
17 باب صفة الصلاة 148
18 باب شروط الصلاة 184
19 فصل تبطل الصلاة بالنطق بحرفين الخ 194
20 باب سجود السهو 204
21 باب تسن سجدات التلاوة 214
22 باب صلاة النفل 219
23 كتاب صلاة الجماعة 229
24 فصل في صفات الأئمة 237
25 فصل يذكر فيه بعض شروط الاقتداء وآدابه 245
26 فصل: شرط القدوة أن ينوي المأموم الخ 252
27 فصل تجب متابعة الامام في أفعال الصلاة الخ 255
28 فصل في قطع القدوة وما تنقطع به وما يتبعهما 259
29 باب كيفية صلاة المسافر 262
30 فصل في شروط القصر وما يذكر معه 266
31 فصل في الجمع بين الصلاتين 271
32 باب صلاة الجمعة 276
33 فصل في الأغسال المسنونة في الجمعة وغيرها وما يذكر معها 290
34 فصل في بيان ما تدرك به الجمعة وما لا تدرك به، وجواز الاستخلاف وعدمه 296
35 باب صلاة الخوف 301
36 فصل فيما يجوز لبسه للمحارب وغيره وما لا يجوز 306
37 باب صلاة العيدين 310
38 فصل في التكبير المرسل والمقيد 314
39 باب صلاة الكسوفين 316
40 باب صلاة الاستسقاء 321
41 باب في حكم تارك الصلاة المفروضة على الأعيان 327
42 كتاب الجنائز 329
43 فصل في تكفين الميت وحمله 336
44 فصل في الصلاة على الميت المسلم غير الشهيد 340
45 فصل في دفن الميت وما يتعلق به 351
46 مسائل منثورة 356
47 كتاب الزكاة باب زكاة الحيوان 368
48 فصل إن اتحد نوع الماشية 374
49 باب زكاة النبات 381
50 باب زكاة النقد 389
51 باب زكاة المعدن والركاز والتجارة 394
52 فصل شرط زكاة التجارة الحول والنصاب الخ 397
53 باب زكاة الفطر 401
54 باب من تلزمه الزكاة وما تجب فيه 408
55 فصل في أداء زكاة المال 413
56 فصل في تعجيل الزكاة وما يذكر معه 415
57 كتاب الصيام 420
58 فصل في أركان الصوم 423
59 فصل شرط الصوم الامساك عن الجماع الخ 427
60 فصل شرط الصوم الاسلام والعقل الخ 432
61 فصل في شروط وجوب صوم رمضان 436
62 فصل في فدية الصوم الواجب 438
63 فصل في موجب كفارة الصوم 442
64 باب صوم التطوع 445
65 كتاب الاعتكاف 449
66 فصل في حكم الاعتكاف المنذور 455
67 كتاب الحج 459
68 باب المواقيت 471
69 باب الإحرام 476
70 فصل في ركن الاحرام وما يطلب للمحرم الخ 478
71 باب دخول مكة 482
72 فصل فيما يطلب في الطواف من واجبات وسنن 485
73 فصل فيما يختم به الطواف وبيان كيفية السعي 493
74 فصل في الوقوف بعرفة وما يذكر معه 495
75 فصل في المبيت بمزدلفة والدفع منها وفيما يذكر معها 499
76 فصل في المبيت بمنى ليالي أيام التشريق 505
77 فصل في بيان أركان الحج والعمرة وكيفية أداء النسكين وما يتعلق بذلك 513
78 باب محرمات الإحرام 518
79 باب الإحصار والفوات 532