مستدركات أعيان الشيعة - حسن الأمين - ج ٢ - الصفحة ١٢٦
وأرسلها إلى حمد البيك لم يستحسنها لضعف أصواتها وخمود حسها فأرجعها إليه ثانيا ليعطيها إلى الصائغ ويحسن أصواتها. فلما تمت كما أراد حمد البيك أرسلها إليه وأرسل معها هذه الأبيات:
أفدي أبا فدعم إذ ظل يعذلني * من حيث أحمد حظي صوت أجراسي لا تعجبن لذا وأعجب لثانية * أن ليس يلحق بالأجراس أنفاسي هل ينكر البيك أعلى الله رتبته * سواد حظي وما يأتيه أنحاسي لو أن في جرسي القانون يردفه * مخارق بفنون الأوج والراسي بنغمة الناي والسنطير ملحقة * به النواقيس والصهباء في الكاسي لأسمع الحظ مني كل مستمع * صوت الذبابة قد طنت على الرأس فكيف بي وهو حظي كلما رفعت * يدي بشأن تولاها بانكاسي فالآن وافتك أجراس مطنطنة * تحكي النواقيس في راحات شماس قد أتقن الصنع منها عارف فطن * بصنعه خير حداد ونحاس فان تجدها كما تبغي صناعتها * فذاك من طالع الحداد في الناس وإن تكن تشبه الأولى فذلك من * حظي الذي قد رمى دوما باتعاسي فالمدح في صنعها أمسى لصانعها * والذم لي والكلام القارس القاسي يقول لله مخول وصنعته * كأنها ذهب قد صيغ في ماس أو لا يقال صليبي تهاون في * حسن الصياغة فهو الطاعم الكاسي ينال مخول فيها المدح إن حسنت * أو لا أبو واكد في الذم والياس والدلالة البارزة في هذا الشاعر هو أن الثقافة الأدبية كانت في جبل عامل شاملة أناسا من جميع الطبقات، وإذا كنا قد رأينا أن من مروا معنا فيما تقدم ومن سيأتون، هم من خريجي الدراسات الفقهية في المدارس المنتشرة في الجبل، أو ممن طمحوا إلى الأفضل فانتقلوا إلى النجف، فان ما يبدو من مظاهر ثقافة هذا الشاعر يدل على أن هذه الثقافة ليست فطرية بل هي نتيجة اطلاع ودرس وتتبع وفي ذلك ما يرشدنا إلى ما فعلته تلك المدارس من اجتذاب رجال من مختلف الطبقات، وإعدادهم إما للعلم أو للشعر والأدب، وفي الشيخ صليبي الواكد أفضل مثال.
وإذا كان لكل واحد من الشعراء العامليين مواضيعه وأسلوبه، فإننا نستطيع أن نضيف إلى ذلك أن هناك قاسما مشتركا كان يجمع بينهم جميعا، هو أنه مهما كانت اتجاهات الشاعر، فإنه سيلتقي حتما مع غيره من شعراء عصره وما قبل عصره وما بعد عصره في نقطة معينة هي مدح علي بن أبي طالب وأهل البيت ع. وهذا ما نراه هنا في شعر صليبي الواكد الذي أقام في قرية قانا لم يبرحها، وإذا كان قد برحها فربما إلى تبنين أو صور ليس إلا.
وهكذا فإنه لا يتخلف عن النظم في هذا الموضوع لا الشاعر الفقيه سليل الفقهاء ولا الشاعر الوجيه سليل الوجهاء، وها هو أبو واكد يقول من أبيات:
يا آل بيت محمد لي فيكم * أمل إذا نصب الصراط أجوز أنتم نجاتي في المعاد وعدتي * وبكم إذا وضع الحساب أفوز وهكذا يلتقي في آل بيت محمد كل الشعراء العامليين على اختلاف ميولهم ومواضيعهم.
ولا يفوتنا أن نشير هنا إلى أنه إذا كان لقب الشيخ قد أطلق على من رأينا من الشعراء كما أطلق على الشيخ صليبي الواكد، فان هذا اللقب لا يدل على صفة واحدة فيهما، فان الأولين قد نالوه لأنهم رجال فقه ودين. أما أبو واكد فلأن أسرته الوجيهة كانت حتى ذلك الوقت تلقب بهذا اللقب تدليلا على وجاهتها، وأول تحول في اللقب جرى في هذه الأسرة كان ما جرى على عهد حمد المحمود قريب شاعرنا الواكد ومعاصره. فهو أول من استبدل لقب البيك بلقب الشيخ، وظل غيره من أقاربه المعاصرين يحملون اللقب القديم، ولذلك كان يطلق عليه أكثر الأحيان اسم حمد البيك كما أنه أول من اقتدى بالسلطان محمود فخلع الملابس القديمة وفي مقدمتها العمامة ولبس الطربوش والملابس الأوروبية الحديثة.
وفي شعر الشيخ صليبي ما يدل على بعض الأحداث في زمانه، فقد أدركنا نحن في مطالع حياتنا الصلة الوثيقة بين جبل عامل وحوران، فقد كان إدبار المواسم الزراعية في جبل عامل يحمل العامليين على النزوح خلال الصيف إلى حوران، كما أن إدبارها في حوران كان يحمل الحورانيين على النزوح إلى جبل عامل. والفرق بين النزوحيين كان في أن العامليين كانوا ينزحون أفرادا للعمل في موسم الحصاد. أما الحورانيون فكانوا ينزحون بأسرهم وأنعامهم، لأن في إدبار الموسم الشتوي في جبل عامل تبقى المواسم الصيفية وكرم التين والعنب، أما في حوران فقد كان الادبار معناه فقدان كل شئ لأنه لا أشجار مثمرة في حوران. وبالرغم من أن هذا التبادل في الادبار والاقبال كان يقتضي المؤاخاة ورفع الأضغان فقد كان على العكس من ذلك كثيرا ما يؤدي إلى التصارع والتقاتل. ويبدو أن شيئا من هذا قد حدث في عصر أبي واكد وأن حدوثه كان في حوران خلال النزوح العاملي فأغاظ ذلك شاعرنا فقال هاجيا حوران مشاركا في المعركة بشعره من بعيد، مستغلا الصفة البركانية السوداء لأحجار بيوت حوران:
أسائلهم لمن حوران تعزى * فقالوا للذئاب وللكلاب مرابعهم كلون القار سود * ودورهم على جرف الخراب فلم تسمع بها إلا نباحا * ولم تبصر بها غير الذباب ولا تلقى بها إلا كلابا * ولا تلفي بها غير التراب وكم آوى لنا منها جياع * فتقرى بالطعام وبالشراب ويغفر الله لشاعرنا هذا الهجاء المرير، وإذا كنا نجيز لأنفسنا نقله اليوم فلأن الماضي قد مضى بكل أحداثه فلا نزوح عاملي إلى حوران، ولا نزوح حوراني إلى جبل عامل، وقد تبدلت الدنيا، لذلك فنحن حين ننقل هذا الشعر لن نهيج شرا ولن نثير حدثا. وإنما نبسط لونا طريفا من ألوان الحياة في هذه البلاد، وقد كان يستطيع أي حوراني أن يرد على الشيخ صليبي هجاءه ويقول له: ونحن أيضا كم آوينا منكم غريبا، وكم أعملنا عاطلا، وكم قرينا نازحا... وأن الذباب في دياركم ليموج موجه في ديارنا، والتراب بين بيوتكم يتراكم مثله بين بيوتنا، والذئاب تعوي بدياركم عويها في برارينا، والكلاب الشاردة تسرح خلال منازلكم سرحها خلال منازلنا. والفرق بيننا وبينكم أن بلادكم أنجبت شاعرا استطاع أن يهجونا، وبلادنا لم تصل إلى ذلك.
ولعل في هذا الشعر ما يمكن أن يكون استمرارا للتهاجي العربي القديم بين القبائل مما كان يجعل الشاعر لسان قبيلته، ويجعل القبيلة معتزة بشاعرها حفية به، وما يعيد إلى أذهاننا أمثال:
(١٢٦)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 121 122 123 124 125 126 127 128 129 130 131 ... » »»
الفهرست
الرقم العنوان الصفحة
1 المقدمة 5
2 آمنة القزوينية - إبراهيم القطيفي - البحراني - الخطي - أحمد الدندن - الصحاف 7
3 أحمد مسكويه 8
4 أحمد آل عصفور - البحراني 19
5 أحمد بن حاجي - الدرازي - الدمستاني - المتنبي 20
6 أحمد القطيفي 32
7 أحمد الغريفي 33
8 أحمد عصفور - الزاهد - الخطي - البحراني 41
9 أحمد البحراني - الزنجي - البلادي - العقيري 42
10 أحمد القطيفي - آل عصفور - الشايب - المصري 43
11 أحمد الصاحب 45
12 أحمد البحراني - الأحوص - إدريس الثاني 46
13 إدريس الأول 49
14 إسماعيل الصفوي 50
15 أم كلثوم القزوينية - أمانت 68
16 أويس الأول - أيوب البحراني - بابر 69
17 باقر الدمستاني - بيرم خان خانان 70
18 جارية بن قدامة السعدي 71
19 جعفر القطاع - البحراني 77
20 جواد علي - جويرية - حبيب بن قرين 78
21 حرز العسكري - حسن عصفور - القطيفي 79
22 الحسن الوزير المهلبي 81
23 حسن الدمستاني 92
24 الحسين النعالي - معتوق - آل عصفور 93
25 حسن الحيدري - البلادي - الحسين ابن خالويه 95
26 حسين الغريفي - البحراني - الماحوزي 98
27 الحسين الطغرائي 99
28 حسين الفوعي - القزويني 104
29 حسين نور الدين - الحسين بن سينا 105
30 حمد البيك 120
31 خلف آل عصفور - الخليل بن أحمد الفراهيدي 134
32 داود البحراني 138
33 درويش الغريفي - رقية الحائرية - رويبة - السائب - الأشعري - سعد صالح 139
34 سعيد حيدر 140
35 سليمان الأصبعي 151
36 شبيب بن عامر - صالح الكرزكاني - صخير 152
37 صدر الدين الصدر - طاشتكين 153
38 عبد الإمام - عبد الجبار - عبد الرؤوف - عبد الرضا - عبد الحسين القمي - ابن رقية 154
39 عبد الرحمان الهمداني - ابن عبيد 155
40 عبد الرحمان النعماني - عبد السلام بن رغبات ديك الجن 156
41 عبد الله الحلبي - عبد علي عصفور 158
42 عبد علي القطيفي - عبد العلي البيرجندي - عبد الغفار نجم الدولة 159
43 عبد الكريم الممتن 160
44 عبد الله المقابي - الحجري - البحراني - الكناني - الأزدي - ابن وال - الأزدي 162
45 عبد الله النهدي - الأحمر - عبد المحسن اللويمي 163
46 عبد النبي الدرازي - عبيد الله بن الحر الجعفي 164
47 عبيدة - عدنان الغريفي 172
48 علي الأحسائي - البحراني - المقابي - جعفر - الدمستاني 173
49 علي الصالحي - ابن الشرقية 174
50 علي بن المؤيد 176
51 علي باليل 183
52 سيف الدولة الحمداني - ابن بابويه 185
53 علي الغريفي 196
54 علي نقي الحيدري - ابن أسباط - الصحاف 201
55 علي الحماني 202
56 علي بن الفرات 211
57 علي التهامي 213
58 عمر بن العديم 218
59 عيسى عصفور - قيس بن عمرو النجاشي 220
60 كريب - مال الله الخطي - ماه شرف 222
61 محسن عصفور - محمد الأسدي 223
62 محمد الكناني 226
63 محمد بن أحمد الفارابي 227
64 محمد البيروني 232
65 محمد الدمستاني - السبعي - الشويكي - الخطي - السبزواري 245
66 محمد النيسابوري - الشريف الرضي محمد بن الحسين 246
67 محمد الكرزكاني - المقابي 281
68 محمد بن أبي جمهور الأحسائي 282
69 محمد البحراني - البرغاني 286
70 محمد تقي الفشندي - آل عصفور - الحجري - الهاشمي 287
71 محمد جواد دبوق - المقابي - البحراني - آل عصفور 297
72 محمد عباس الجزائري 298
73 محمد علي البرغاني 299
74 محمد صالح البرغاني 300
75 محمد قاسم الحسيني - البغلي 305
76 محمد علي الأصفهاني - محمد كاظم التنكابني - محمد محسن الكاشاني 308
77 محمد محسن العاملي - محمد مهدي البصير - محمد النمر 309
78 محمود بن الحسين كشاجم 312
79 مرتضى العلوي - مغامس الحجري - مصطفى جواد 322
80 معتوق الأحسائي 327
81 معد الموسوي - معقل بن قيس الرياحي 328
82 مهدي الحكيم 330
83 مهدي بحر العلوم 330
84 مهدي المازندراني - الحيدري 333
85 منصور كمونة 336
86 مهدي الكلكاوي - محمد طاهر الحيدري - محمد بن مسلم الزهري - خاتون - معمر البغدادي - محسن الجواهري 337
87 ناصر الجارودي - حسين - نصر النحوي - المدائني - القاضي النعمان 338
88 نعمة الله الجزائري - نعيم بن هبيرة 342
89 نوح آل عصفور - نور الدين القطيفي - هبة الله ابن الشجري 343
90 هشام الجواليقي - يحيى الفراء 344
91 يعقوب الكندي 349
92 يوسف بن قزغلي 355
93 ملحق المستدركات - صلاح الدين الأيوبي 356
94 الخراسانية والمتشيعة 361
95 العرب والمأمون ثم البويهيون 364
96 سعد صالح 367
97 صلاح الدين وخلفاؤه - إسماعيل الصفوي 368
98 ابن جبير في جبل عامل 370