مستدركات أعيان الشيعة - حسن الأمين - ج ٢ - الصفحة ١٣١
وهذا كله نلمح فيه مشابهة مما حوته قصيدة المتنبي الميمية في عتاب سيف الدولة على بعد ما بين الشاعريتين ونلمح فيه مشابهة من تزاحم الشعراء هنا كتزاحمهم هناك ويسترسل الكاظمي بهذا وأمثاله إلى أن يصل إلى هذا الاعتراف الطريف:
بعناكم دينا لنشري منكم * دنيا فلا الدنيا ولا الايمان ثم يوغل في الاعتراف مقرا أن فيما كان فيه من نظم المديح هو خيانة:
ها جزاء الطامعين بأنهم * خانت بهم أوهامهم إذ خانوا ثم يتعجب من ضياع مثله عند مثل حمد:
ويضيع مثلي عند مثلك إن ذا * أمر تضل بمثله الأذهان وبعد أن يصل إلى هذا الحد يوقن أنه لا يستطيع أن يعيش دون ممدوح جديد، فيتلفت إلى خصم حمد مشيرا إليه إشارة صريحة، معلنا أن أمله سيتحقق به وحده:
ما شد ضبعي في الورى إلا الذي * قد شق نبعة دوحه سلمان وكنا قد أشرنا من قبل إلى القصيدة التي استعطف بها شاعرنا ممدوحه حمد وطلب عفوه وقلنا أيمكن أن يكون غضب حمد عليه لأن الشاعر قد ناصر الحركة الشعبية التي استهدفت حمدا، أو ناصر الحاكم الجديد الذي خلف حمدا؟ وإننا نتساءل هنا: هل كانت قصيدة الاستعطاف التي أشرنا إليها، نتيجة لغضب حمد من هذه القصيدة النونية؟ أم أن تلك القصيدة كانت نتيجة حادث آخر؟...
أكبر الظن أن القصيدة الدالية بعيدة عن موضوع هذه القصيدة وأن تلك كانت نتيجة غضب شديد من حمد على شاعره، غضب مبعثه شئ أهم من هذا العتاب في هذه القصيدة.
وقد جاء في ترجمة الكاظمي في أعيان الشيعة أبيات ذكر في تقديمها أنه يمدح بها بعض الأمراء ويعرض بذم غيره. وقد جاء هذا الذم قاسيا عنيفا يدل على قطيعة كاملة من الشاعر لهذا الأمير المذموم:
إن كنت والناس في الناسوت متحدا * فالعود والعود ذا ند وذا حطب وبعد عدة أبيات في المدح والتعريض يقول:
لا قرب الله رذلا كله حمق * وباعد الله نذلا كله كذب وهكذا نرى أن الهجاء عاد شتما فظيعا، فمن هو الأمير الذي قيل فيه هذا القول؟ إن الذين رووا هذا الشعر لم يذكروا اسم الأمير المعرض به، فهل يمكن أن يكون هو حمد؟ أيمكن أن يكون الأمر قد وصل بين حمد وبين شاعره إلى هذا الحد؟.
إن القرائن تدل على ذلك، وإذا صح هذا فإنه لأمر مؤسف حقا أن تصل العلائق بين الرجلين إلى أن يصبح الممدوح القديم مذموما بمثل هذا الذم القبيح، وبذلك تتباعد الفرجة بين متنبي سيف الدولة الذي ظل مقدرا لأميره ذاكرا له بالخير، وكل ما وصل إليه معه هو عتاب بسيط وتعريض طفيف، وبين متنبي حمد الذي عاد الآن حمد على لسانه عودا من الحطب أحمق نذلا كذابا، بعد أن كان:
في عدل كسرى في شجاعة رستم * في جود حاتم في ذكاء لبيد وهذا البيت من القصيدة الدالية التي أشرنا إليها من قبل والتي قالها مستعطفا لحمد مستشفعا لديه بالسيد علي الأمين:
وشفيع ذنبي عين آل محمد * أعني عليا كهف كل طريد فهل يمكن أن تكون الوساطة قد فشلت ولم يفد الاعتذار والاستعطاف فيئس الشاعر واشتط بالهجاء وغالى؟.
وفي هذه القصيدة يبدو واضحا ما ذكرناه من قبل من أن جوهر المدح في عصر حمد كان ذكر الوقائع والحروب والتغني بالانتصارات والفتوح:
لمديح من عقد اللواء على الولاء * له الزمان وقد مشى بجنود في بيض مرهفة وسود وقائع * ونفوذ رأي في الزمان سديد لم تثنه نار الكفاح عن الندى * كلا ولا عن عزمه بصدود يعطي ويلقى والعداة كأنها * وفد العفاة ولات حين وفود متبسما عند الكفاح وسيفه * يذري العقيق على خدود البيد فالقصب تركع بالحني على الشوى * والهام خاضعة له بسجود على أنه وبعد وفاة حمد رأينا الشاعر يصبح شاعر ابن أخيه وخليفته علي بك الأسعد فيهنئه بتوليه بعد عمه.
الكاظمي وجبل عامل قلنا إن الكاظمي عراقي الأصل ولكنه استقر في جبل عامل وتفتحت شاعريته فيه ولا تزال سلالته فيه حتى اليوم كما أن له نسلا في مصر، وقد كانت تنتابه نوبات قلق وملل فيصب جام غضبه على جبل عامل هاجيا ناقما فإذا هدأ عاد مادحا مثنيا. ثم هو أحيانا بين بين لا يهجو ولا يمدح بل يتشوق إلى العراق ويحن إليه:
أهيل الكرخ لي قلب معنى * أسير في يد الأشواق عاني أمن حق المروءة أن جعلتم * من الأحلام أيام التداني أما في نقمته وغضبه فينسى كل ما ناله في جبل عامل من خير ولا يرى إلا الشر فينطلق في هجائه صاخبا عنيفا فهو أولا يذم الهجرة ويرى أن تركه العراق كان بطرا:
أشكو إلى الله ما لاقيت من زمني * حالا تفرق بين الجفن والوسن لفظت عزمي بأطراف النوى بطرا * فرحت ألطم وجه الربح بالغبن ثم يشير إلى أن أسوأ ما كان في تلك الهجرة أنها أقرته في جبل عامل:
حتى استقر النوى في أرض عاملة * فخيرتني بين الذل والشجن ثم يسترسل في الغضب والنقمة معددا بعض القرى العاملية التي حل بها متهكما ساخرا:
كأنما حين قام العيس يصدع بي * نشز الآكام وطي المهمة الحزن كنت المشوق لقانا أم جوية أم * لدير قانون لا حيا بها سكني ثم يسترسل بالتهكم والسخرية مختارا أبسط المآكل القروية العاملية لتكون مثالا عن شظف العيش الذي هو فيه:
أكنت قبل النوى أشتاق ترمسها * أم قادني الشوق للبلوط والشعن أم للبلية لا بلت لها غلل * أم بقلة الفول عنها كنت غير غني أم كان قد مر بي دهر فعودني * بربورة طبخت بالماء واللبن
(١٣١)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 136 ... » »»
الفهرست
الرقم العنوان الصفحة
1 المقدمة 5
2 آمنة القزوينية - إبراهيم القطيفي - البحراني - الخطي - أحمد الدندن - الصحاف 7
3 أحمد مسكويه 8
4 أحمد آل عصفور - البحراني 19
5 أحمد بن حاجي - الدرازي - الدمستاني - المتنبي 20
6 أحمد القطيفي 32
7 أحمد الغريفي 33
8 أحمد عصفور - الزاهد - الخطي - البحراني 41
9 أحمد البحراني - الزنجي - البلادي - العقيري 42
10 أحمد القطيفي - آل عصفور - الشايب - المصري 43
11 أحمد الصاحب 45
12 أحمد البحراني - الأحوص - إدريس الثاني 46
13 إدريس الأول 49
14 إسماعيل الصفوي 50
15 أم كلثوم القزوينية - أمانت 68
16 أويس الأول - أيوب البحراني - بابر 69
17 باقر الدمستاني - بيرم خان خانان 70
18 جارية بن قدامة السعدي 71
19 جعفر القطاع - البحراني 77
20 جواد علي - جويرية - حبيب بن قرين 78
21 حرز العسكري - حسن عصفور - القطيفي 79
22 الحسن الوزير المهلبي 81
23 حسن الدمستاني 92
24 الحسين النعالي - معتوق - آل عصفور 93
25 حسن الحيدري - البلادي - الحسين ابن خالويه 95
26 حسين الغريفي - البحراني - الماحوزي 98
27 الحسين الطغرائي 99
28 حسين الفوعي - القزويني 104
29 حسين نور الدين - الحسين بن سينا 105
30 حمد البيك 120
31 خلف آل عصفور - الخليل بن أحمد الفراهيدي 134
32 داود البحراني 138
33 درويش الغريفي - رقية الحائرية - رويبة - السائب - الأشعري - سعد صالح 139
34 سعيد حيدر 140
35 سليمان الأصبعي 151
36 شبيب بن عامر - صالح الكرزكاني - صخير 152
37 صدر الدين الصدر - طاشتكين 153
38 عبد الإمام - عبد الجبار - عبد الرؤوف - عبد الرضا - عبد الحسين القمي - ابن رقية 154
39 عبد الرحمان الهمداني - ابن عبيد 155
40 عبد الرحمان النعماني - عبد السلام بن رغبات ديك الجن 156
41 عبد الله الحلبي - عبد علي عصفور 158
42 عبد علي القطيفي - عبد العلي البيرجندي - عبد الغفار نجم الدولة 159
43 عبد الكريم الممتن 160
44 عبد الله المقابي - الحجري - البحراني - الكناني - الأزدي - ابن وال - الأزدي 162
45 عبد الله النهدي - الأحمر - عبد المحسن اللويمي 163
46 عبد النبي الدرازي - عبيد الله بن الحر الجعفي 164
47 عبيدة - عدنان الغريفي 172
48 علي الأحسائي - البحراني - المقابي - جعفر - الدمستاني 173
49 علي الصالحي - ابن الشرقية 174
50 علي بن المؤيد 176
51 علي باليل 183
52 سيف الدولة الحمداني - ابن بابويه 185
53 علي الغريفي 196
54 علي نقي الحيدري - ابن أسباط - الصحاف 201
55 علي الحماني 202
56 علي بن الفرات 211
57 علي التهامي 213
58 عمر بن العديم 218
59 عيسى عصفور - قيس بن عمرو النجاشي 220
60 كريب - مال الله الخطي - ماه شرف 222
61 محسن عصفور - محمد الأسدي 223
62 محمد الكناني 226
63 محمد بن أحمد الفارابي 227
64 محمد البيروني 232
65 محمد الدمستاني - السبعي - الشويكي - الخطي - السبزواري 245
66 محمد النيسابوري - الشريف الرضي محمد بن الحسين 246
67 محمد الكرزكاني - المقابي 281
68 محمد بن أبي جمهور الأحسائي 282
69 محمد البحراني - البرغاني 286
70 محمد تقي الفشندي - آل عصفور - الحجري - الهاشمي 287
71 محمد جواد دبوق - المقابي - البحراني - آل عصفور 297
72 محمد عباس الجزائري 298
73 محمد علي البرغاني 299
74 محمد صالح البرغاني 300
75 محمد قاسم الحسيني - البغلي 305
76 محمد علي الأصفهاني - محمد كاظم التنكابني - محمد محسن الكاشاني 308
77 محمد محسن العاملي - محمد مهدي البصير - محمد النمر 309
78 محمود بن الحسين كشاجم 312
79 مرتضى العلوي - مغامس الحجري - مصطفى جواد 322
80 معتوق الأحسائي 327
81 معد الموسوي - معقل بن قيس الرياحي 328
82 مهدي الحكيم 330
83 مهدي بحر العلوم 330
84 مهدي المازندراني - الحيدري 333
85 منصور كمونة 336
86 مهدي الكلكاوي - محمد طاهر الحيدري - محمد بن مسلم الزهري - خاتون - معمر البغدادي - محسن الجواهري 337
87 ناصر الجارودي - حسين - نصر النحوي - المدائني - القاضي النعمان 338
88 نعمة الله الجزائري - نعيم بن هبيرة 342
89 نوح آل عصفور - نور الدين القطيفي - هبة الله ابن الشجري 343
90 هشام الجواليقي - يحيى الفراء 344
91 يعقوب الكندي 349
92 يوسف بن قزغلي 355
93 ملحق المستدركات - صلاح الدين الأيوبي 356
94 الخراسانية والمتشيعة 361
95 العرب والمأمون ثم البويهيون 364
96 سعد صالح 367
97 صلاح الدين وخلفاؤه - إسماعيل الصفوي 368
98 ابن جبير في جبل عامل 370