مستدركات أعيان الشيعة - حسن الأمين - ج ٢ - الصفحة ١٣٠
فقد قال الشيخ حبيب الكاظمي في حمد نفسه:
برميش كيف أوطأت العدى * ضمر الخيل فنكست النظاما فهل النظام الذي كان قد أعوج وفسد في رأي الشيخ علي مروة ثم أصلحه وقومه حمد المحمود هو الجيش النظامي كما قصد بذلك الشاعر الكاظمي أم هو النظام العام للحكم؟ الأغلب أن المقصود هنا هو نظام الحكم، وأن كلا من الشاعرين استعمل كلمة النظام في معنى غير الذي استعمله فيه الآخر.
وأيا كان مقصود الشاعر فإننا نلمح هنا شيئا جديدا في شعر شعراء هذه الفترة من التحدث عن الأمور العامة في معرض المدح وربط مصائر جبلهم بمصائر البلاد الشامية، والإشارة إلى الفساد وتقويم الاعوجاج مما لا عهد لنا به في شعر الفترات السابقة.
ولا شك أن هذا كله ناتج عن تنبه الأذهان بما حركته الحملة المصرية في النفوس وما أتت به من آراء جديدة وتصرفات حديثة لم تكن معهودة من قبل.
وسواء كانت الثورة على الحكم الإبراهيمي ثورة ظالمة أو كانت محقة، فإننا لا نستطيع أن نسلم مع الشاعر بان النظام كان قبل الحملة المصرية صالحا، وإنه عاد بعدها أكثر صلاحا.
صورة عن البلاط الحمداني وبعد الأبيات المتقدمة يخص الشاعر ممدوحه ببيتين من الثناء الشخصي التقليدي فلا حاتم مثله ولا الأحنف، ثم ينتقل إلى اللون الجديد من المدح المرتكز على العمل العسكري والانتصارات الحربية:
لم يبغه أحد ينازله * إلا موارد حتفه وردا فهنا منازلة تنتهي بموت العدو، وقد انتهت بذلك فعلا ولا بد من تعداد المعارك التي خاضها حمد، ونازل فيها عدوه:
فاسال رميشا حين باكرها * بالغارة الشعوا وسل صفدا واسال بروجا زلزلت وهوت * من عكة لما أن احتشدا خرت له في الحال ساجدة * والسور تعظيما له سجدا والنصر وافاه بناصرة * وانحل ما القاضي بها عقدا خابت مساعيه ومامله * إذ لم يصب من أمره رشدا أمست أنوف القوم مرغمة * مذ أنجز الاقبال ما وعدا نحن نحس هنا أننا أمام شاعر من شعراء سيف الدولة يتحدث عن معاركه ومنازلها ووقائعه وأماكنها. ويتمدح بانتصاراته وهزيمة عدوه. ويحدد لنا خطة سير البطل. فمن سهل رميش حيث وقعت وقعة جلى ثبتت إقدام الممدوح، إلى اجتياز حدود الجبل نحو فلسطين حيث سلمت صفد ثم مواصلة الزحف إلى عكة حيث استقبلت الزاحفين ببروجها ولكن البروج زلزلت وهوت أمام الحشد العاملي المتقدم، وسجدت وسجد معها السور الشهير الذي رد نابليون خاسرا، سجدت مع سورها تعظيما للمنتصرين ويا له من سجود ذليل...
ثم التقدم من عكة إلى مدينة الناصرة، فمن نصر إلى نصر... وهنا يشير الشاعر إلى حديث نجهل تفاصيله، ولا بد أن قاضي الناصرة قد دبر أمرا لافساد تقدم الفاتحين، ولكن الفاتحين حلوا ما عقده، وأكملوا خطواتهم إلى الإمام. وهنا تكون المهمة المعهود تنفيذها إلى حمد قد تمت كلها فليس بعد فلسطين غير الانسحاب الإبراهيمي التام وعودة الجيوش من حيث أتت.
وبذلك تكون أنوف القوم قد رغمت وهل بعد هذا من حديث؟...
هذه صورة مصغرة لمشهد من مشاهد البلاط الحمداني كما قلت من قبل تتمثل هنا في هذا البلاط الصغير، يعرضها لنا، لا شاعر حمد الأول، لا متنبي البلاط الوائلي، بل واحد من شعراء الصف الثاني الذين رأينا أشباههم في بلاط سيف الدولة. أما متنبي هذا البلاط فلنا أن نقول إنه الشيخ حبيب الكاظمي، ويمكن أن يقال أيضا إنه الشيخ علي سبيتي، وهما ممن سيرد ذكرهما في الآتي من القول.
الشيخ حبيب الكاظمي (1) لم يكن هذا الشاعر عاملي الأصل، بل هو من أصل عراقي كاظمي وفد إلى جبل عامل وفيه تفتحت شاعريته ونضجت موهبته وصار واحدا من شعراء عهد حمد المحمود. وكانت حياته ترتكز على الشعر فقد يمدح الأضداد حين يرى أن ذلك أكثر فائدة له. وقد تقدم القول أن صلته بحمد كانت قبل أن يتألق نجم حمد، لذلك، رأينا حمدا يدنيه إليه بعد أن صار أمره إلى ما صار من التفرد بحكم جبل عامل والسيطرة عليه. ولكن حاله هذه لم تكن دائما مستقرة، بل كان يمازجها نفور بينهما يعاتب فيه الشاعر حمدا أحيانا، ويستعطفه أحيانا، وإذا جاز لنا أن نقول إنه كان في بلاط حمد أشبه بالمتنبي في بلاط سيف الدولة، جاز لنا أن نقول إن قصيدته النونية في عتاب حمد تكاد تشبه قصيدة المتنبي الميمية في عتاب سيف الدولة. فيبدو أن نبوة حدثت بينهما سببها كما نفهم من القصيدة ما اعتقده الشاعر من إهمال حمد له وعدم تحقيق رغباته، فلم يتورع عن مهاجمة حمد والثناء على خصمه وقريبه حسين بك السلمان يقول في مطلعها:
يا بيك عند للعتاب لسان * فيه لغيرك صارم وسنان وبعد التعريض بالشعراء الآخرين الذين يفدون إلى حمد فيحسن عطاءهم دون أن يحسنوا الشعر بزعمه وكيف أن نصيبه الحرمان:
لهم الغباوة والفسالة والعطا * والفضل لي والمدح والحرمان وبعد أن يسترسل في ذلك قائلا أمثال هذا:
فاصح ما ألفيت أن وعودكم * مثل السراب ومثلي الظمآن تغري بنا الأوهام في أطماعها * حرصا على الموهوم وهو عيان فالله يجزي عنكم أوهامنا * خيرا وجاد شبابها الريعان ثم يعترف بما في المدح من غضاضة:
لكم بها حسن الثناء مؤبدا * ولنا بهن مذلة وهوان ثم يلمح إلى ما يبدو أن حمدا قد اعتذر به من اضطراره لمسايرة الآخرين معتمدا على صداقة الكاظمي:
ورسمت أن تقربي لك باعث * قطعي صدقت وفي النوى الرجحان فليشكر الرحمن من هو عنكم * ناء ويغني عنكم السلوان

(1) راجع ترجمته في الصفحة 541 من المجلد الرابع.
(١٣٠)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 125 126 127 128 129 130 131 132 133 134 135 ... » »»
الفهرست
الرقم العنوان الصفحة
1 المقدمة 5
2 آمنة القزوينية - إبراهيم القطيفي - البحراني - الخطي - أحمد الدندن - الصحاف 7
3 أحمد مسكويه 8
4 أحمد آل عصفور - البحراني 19
5 أحمد بن حاجي - الدرازي - الدمستاني - المتنبي 20
6 أحمد القطيفي 32
7 أحمد الغريفي 33
8 أحمد عصفور - الزاهد - الخطي - البحراني 41
9 أحمد البحراني - الزنجي - البلادي - العقيري 42
10 أحمد القطيفي - آل عصفور - الشايب - المصري 43
11 أحمد الصاحب 45
12 أحمد البحراني - الأحوص - إدريس الثاني 46
13 إدريس الأول 49
14 إسماعيل الصفوي 50
15 أم كلثوم القزوينية - أمانت 68
16 أويس الأول - أيوب البحراني - بابر 69
17 باقر الدمستاني - بيرم خان خانان 70
18 جارية بن قدامة السعدي 71
19 جعفر القطاع - البحراني 77
20 جواد علي - جويرية - حبيب بن قرين 78
21 حرز العسكري - حسن عصفور - القطيفي 79
22 الحسن الوزير المهلبي 81
23 حسن الدمستاني 92
24 الحسين النعالي - معتوق - آل عصفور 93
25 حسن الحيدري - البلادي - الحسين ابن خالويه 95
26 حسين الغريفي - البحراني - الماحوزي 98
27 الحسين الطغرائي 99
28 حسين الفوعي - القزويني 104
29 حسين نور الدين - الحسين بن سينا 105
30 حمد البيك 120
31 خلف آل عصفور - الخليل بن أحمد الفراهيدي 134
32 داود البحراني 138
33 درويش الغريفي - رقية الحائرية - رويبة - السائب - الأشعري - سعد صالح 139
34 سعيد حيدر 140
35 سليمان الأصبعي 151
36 شبيب بن عامر - صالح الكرزكاني - صخير 152
37 صدر الدين الصدر - طاشتكين 153
38 عبد الإمام - عبد الجبار - عبد الرؤوف - عبد الرضا - عبد الحسين القمي - ابن رقية 154
39 عبد الرحمان الهمداني - ابن عبيد 155
40 عبد الرحمان النعماني - عبد السلام بن رغبات ديك الجن 156
41 عبد الله الحلبي - عبد علي عصفور 158
42 عبد علي القطيفي - عبد العلي البيرجندي - عبد الغفار نجم الدولة 159
43 عبد الكريم الممتن 160
44 عبد الله المقابي - الحجري - البحراني - الكناني - الأزدي - ابن وال - الأزدي 162
45 عبد الله النهدي - الأحمر - عبد المحسن اللويمي 163
46 عبد النبي الدرازي - عبيد الله بن الحر الجعفي 164
47 عبيدة - عدنان الغريفي 172
48 علي الأحسائي - البحراني - المقابي - جعفر - الدمستاني 173
49 علي الصالحي - ابن الشرقية 174
50 علي بن المؤيد 176
51 علي باليل 183
52 سيف الدولة الحمداني - ابن بابويه 185
53 علي الغريفي 196
54 علي نقي الحيدري - ابن أسباط - الصحاف 201
55 علي الحماني 202
56 علي بن الفرات 211
57 علي التهامي 213
58 عمر بن العديم 218
59 عيسى عصفور - قيس بن عمرو النجاشي 220
60 كريب - مال الله الخطي - ماه شرف 222
61 محسن عصفور - محمد الأسدي 223
62 محمد الكناني 226
63 محمد بن أحمد الفارابي 227
64 محمد البيروني 232
65 محمد الدمستاني - السبعي - الشويكي - الخطي - السبزواري 245
66 محمد النيسابوري - الشريف الرضي محمد بن الحسين 246
67 محمد الكرزكاني - المقابي 281
68 محمد بن أبي جمهور الأحسائي 282
69 محمد البحراني - البرغاني 286
70 محمد تقي الفشندي - آل عصفور - الحجري - الهاشمي 287
71 محمد جواد دبوق - المقابي - البحراني - آل عصفور 297
72 محمد عباس الجزائري 298
73 محمد علي البرغاني 299
74 محمد صالح البرغاني 300
75 محمد قاسم الحسيني - البغلي 305
76 محمد علي الأصفهاني - محمد كاظم التنكابني - محمد محسن الكاشاني 308
77 محمد محسن العاملي - محمد مهدي البصير - محمد النمر 309
78 محمود بن الحسين كشاجم 312
79 مرتضى العلوي - مغامس الحجري - مصطفى جواد 322
80 معتوق الأحسائي 327
81 معد الموسوي - معقل بن قيس الرياحي 328
82 مهدي الحكيم 330
83 مهدي بحر العلوم 330
84 مهدي المازندراني - الحيدري 333
85 منصور كمونة 336
86 مهدي الكلكاوي - محمد طاهر الحيدري - محمد بن مسلم الزهري - خاتون - معمر البغدادي - محسن الجواهري 337
87 ناصر الجارودي - حسين - نصر النحوي - المدائني - القاضي النعمان 338
88 نعمة الله الجزائري - نعيم بن هبيرة 342
89 نوح آل عصفور - نور الدين القطيفي - هبة الله ابن الشجري 343
90 هشام الجواليقي - يحيى الفراء 344
91 يعقوب الكندي 349
92 يوسف بن قزغلي 355
93 ملحق المستدركات - صلاح الدين الأيوبي 356
94 الخراسانية والمتشيعة 361
95 العرب والمأمون ثم البويهيون 364
96 سعد صالح 367
97 صلاح الدين وخلفاؤه - إسماعيل الصفوي 368
98 ابن جبير في جبل عامل 370