مغني المحتاج - محمد بن أحمد الشربيني - ج ١ - الصفحة ٥٩
(و) من سننه (تثليث الغسل والمسح) المفروض والمندوب للاتباع، رواه مسلم وغيره. وإنما لم يجب لأنه (ص) توضأ مرة مرة، وتوضأ مرتين مرتين. ولو أطلق المصنف التثليث كان أولى ليشمل التخليل والقول كالتسمية والتشهد آخره، فقد روى التثليث في التخليل البيهقي، وفي القول في التشهد أحمد وابن ماجة، وصرح به الروياني، وظاهر أن غير التشهد مما في معناها كالتسمية مثله، وسيأتي إن شاء الله تعالى أن يكره تكرير مسح الخف. قال الزركشي: والظاهر إلحاق الجبيرة والعمامة إذا كمل بالمسح عليها بالخف. وتكره الزيادة على الثلاث، وكذا النقص عليها إلا لعذر كما سيأتي، لأنه (ص) توضأ ثلاثا ثلاثا ثم قال: هكذا الوضوء، فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم رواه أبو داود وغيره، وقال في المجموع: إنه صحيح، قال: نقلا عن الأصحاب وغيرهم. فمن زاد على الثلاث أو نقص عنها فقد أساء وظلم في كل من الزيادة والنقص، وقيل: أساء في النقص وظلم في الزيادة على الثلاث، وقيل عكسه. فإن قيل: كيف يكون النقص إساءة وظلما على الأول، أو إساءة على الثاني، أو ظلما على الثالث، وقد ثبت أنه (ص) توضأ مرة مرة ومرتين مرتين؟ أجيب بأن ذلك كان لبيان الجواز، فكان في ذلك الحال أفضل، لأن البيان في حقه (ص) واجب. قال ابن دقيق العيد: ومحل الكراهة في الزيادة على الثلاث إذا أتى بها على قصد نية الوضوء، أي أو أطلق، فلو زاد عليها بنية التبرد أو مع قطع نية الوضوء عنها لم يكره. وقال الزركشي: ينبغي أن يكون موضع الخلاف ما إذا توضأ بماء مباح أو مملوك له، فإن توضأ من ماء موقوف على من يتطهر به أو يتوضأ منه كالمدارس والربط حرمت الزيادة بلا خلاف لأنها غير مأذون فيها اه‍. وقد يطلب ترك التثليث كأن ضاق الوقت بحيث لو اشتغل به لخرج الوقت فإنه يحرم التثليث، أو قل الماء بحيث لا يكفيه إلا للفرض، فتحرم الزيادة لأنها تحوجه إلى التيمم مع القدرة على الماء كما ذكره البغوي في فتاويه، وجرى عليه المصنف في التحفة، أو احتاج إلى الفاضل عنه لعطش بأن كان معه من الماء ما يكفيه للشرب لو توضأ به مرة مرة، ولو ثلث لم يفضل للشرب شئ، فإنه يحرم التثليث كما قاله الجيلي في الاعجاز.
وإدراك الجماعة أفضل من تثليث الوضوء وسائر آدابه. ولا يجزئ تعدد قبل تمام العضو، نعم لو مسح بعض رأسه ثلاثا حصل له التثليث، لأن قولهم: من سنن الوضوء تثليث الممسوح، شامل لذلك. وأما ما تقدم فمحله في عضو يجب استيعابه بالتطهير ولا بعد تمام الوضوء، فلو توضأ مرة مرة، ثم توضأ ثانيا وثالثا كذلك لم يحصل التثليث كما جزم به ابن المقري في روضه، وفي فروق الجويني ما يقتضيه وإن أفهم كلام الإمام خلافه. فإن قيل: قد مر في المضمضة والاستنشاق أن التثليث يحصل بذلك؟ أجيب بأن الفم والأنف كعضو واحد فجاز ذلك فيهما كاليدين، بخلاف الوجه واليد مثلا لتباعدهما، فينبغي أن يفرغ من أحدهما ثم ينتقل إلى الآخر. (ويأخذ الشاك باليقين) في المفروض وجوبا وفي المسنون ندبا، لأن الأصل عدم ما زاد كما لو شك في عدد الركعات، فإذا شك هل غسل ثلاثا أو مرتين أخذ بالأقل وغسل الأخرى، وقيل: يأخذ بالأكثر حذرا من أن يزيد رابعة فإنها بدعة، وترك سنة أهون من بدعة. وأجاب الأول: بأن البدعة ارتكاب الرابعة عالما بكونها رابعة. (و) من سننه (مسح كل رأسه) للاتباع رواه الشيخان، وخروجا من خلاف من أوجبه. والسنة في كيفيته أن يضع يديه على مقدم رأسه ويلصق سبابته بالأخرى وإبهاميه على صدغيه ثم يذهب بهما إلى قفاه ثم يردهما إلى المكان الذي ذهب منه إذا كان له شعر ينقلب، وحينئذ يكون الذهاب والرد مسحة واحدة لعدم تمام المسحة بالذهاب، فإن لم يقلب شعره لضفره أو قصره أو عدمه لم يرد لعدم الفائدة، فإن ردهما لم تحسب ثانية لأن الماء صار مستعملا. فإن قيل: هذا مشكل بما انغمس في ماء قليل ناويا رفع الحدث ثم أحدث وهو منغمس ثم نوى رفع الحدث في حال انغماسه فإن حدثه يرتفع ثانيا. أجيب بأن ماء المسح تافه فليس له قوة كقوة هذا، ولذلك لو أعاد ماء غسل الذراع مثلا ثانيا لم تحسب له غسلة أخرى لأنه تافه بالنسبة إلى ماء الانغماس. وإذا مسح كل رأسه هل يقع كله فرضا أو ما يقع عليه الاسم والباقي سنة؟ وجهان كنظيره من تطويل الركوع والسجود والقيام وإخراج البعير عن خمس في الزكاة. واختلف كلامهما في كتبهما في الترجيح في ذلك، ورجح صاحب العباب أن ما يقع
(٥٩)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 ... » »»
الفهرست
الرقم العنوان الصفحة
1 خطبة الكتاب 2
2 كتاب الطهارة 16
3 باب أسباب الحدث 31
4 فصل في آداب الخلاء وفي الاستنجاء 39
5 باب الوضوء 46
6 باب مسح الخف 63
7 باب الغسل 68
8 باب النجاسة 77
9 باب التيمم 86
10 فصل في بيان أركان التيمم وكيفيته وغير ذلك 96
11 باب الحيض وما يذكر معه من الاستحاضة الخ 108
12 فصل إذا رأت المرأة من الدماء الخ 113
13 كتاب الصلاة 120
14 فصل إنما تجب الصلاة على كل مسلم الخ 130
15 فصل الأذان والإقامة سنة 133
16 فصل استقبال القبلة شرط لصلاة القادر الخ 142
17 باب صفة الصلاة 148
18 باب شروط الصلاة 184
19 فصل تبطل الصلاة بالنطق بحرفين الخ 194
20 باب سجود السهو 204
21 باب تسن سجدات التلاوة 214
22 باب صلاة النفل 219
23 كتاب صلاة الجماعة 229
24 فصل في صفات الأئمة 237
25 فصل يذكر فيه بعض شروط الاقتداء وآدابه 245
26 فصل: شرط القدوة أن ينوي المأموم الخ 252
27 فصل تجب متابعة الامام في أفعال الصلاة الخ 255
28 فصل في قطع القدوة وما تنقطع به وما يتبعهما 259
29 باب كيفية صلاة المسافر 262
30 فصل في شروط القصر وما يذكر معه 266
31 فصل في الجمع بين الصلاتين 271
32 باب صلاة الجمعة 276
33 فصل في الأغسال المسنونة في الجمعة وغيرها وما يذكر معها 290
34 فصل في بيان ما تدرك به الجمعة وما لا تدرك به، وجواز الاستخلاف وعدمه 296
35 باب صلاة الخوف 301
36 فصل فيما يجوز لبسه للمحارب وغيره وما لا يجوز 306
37 باب صلاة العيدين 310
38 فصل في التكبير المرسل والمقيد 314
39 باب صلاة الكسوفين 316
40 باب صلاة الاستسقاء 321
41 باب في حكم تارك الصلاة المفروضة على الأعيان 327
42 كتاب الجنائز 329
43 فصل في تكفين الميت وحمله 336
44 فصل في الصلاة على الميت المسلم غير الشهيد 340
45 فصل في دفن الميت وما يتعلق به 351
46 مسائل منثورة 356
47 كتاب الزكاة باب زكاة الحيوان 368
48 فصل إن اتحد نوع الماشية 374
49 باب زكاة النبات 381
50 باب زكاة النقد 389
51 باب زكاة المعدن والركاز والتجارة 394
52 فصل شرط زكاة التجارة الحول والنصاب الخ 397
53 باب زكاة الفطر 401
54 باب من تلزمه الزكاة وما تجب فيه 408
55 فصل في أداء زكاة المال 413
56 فصل في تعجيل الزكاة وما يذكر معه 415
57 كتاب الصيام 420
58 فصل في أركان الصوم 423
59 فصل شرط الصوم الامساك عن الجماع الخ 427
60 فصل شرط الصوم الاسلام والعقل الخ 432
61 فصل في شروط وجوب صوم رمضان 436
62 فصل في فدية الصوم الواجب 438
63 فصل في موجب كفارة الصوم 442
64 باب صوم التطوع 445
65 كتاب الاعتكاف 449
66 فصل في حكم الاعتكاف المنذور 455
67 كتاب الحج 459
68 باب المواقيت 471
69 باب الإحرام 476
70 فصل في ركن الاحرام وما يطلب للمحرم الخ 478
71 باب دخول مكة 482
72 فصل فيما يطلب في الطواف من واجبات وسنن 485
73 فصل فيما يختم به الطواف وبيان كيفية السعي 493
74 فصل في الوقوف بعرفة وما يذكر معه 495
75 فصل في المبيت بمزدلفة والدفع منها وفيما يذكر معها 499
76 فصل في المبيت بمنى ليالي أيام التشريق 505
77 فصل في بيان أركان الحج والعمرة وكيفية أداء النسكين وما يتعلق بذلك 513
78 باب محرمات الإحرام 518
79 باب الإحصار والفوات 532