مستدركات أعيان الشيعة - حسن الأمين - ج ٢ - الصفحة ٣٦
الذي سبق عهد عزلته وتزهده، ازددنا يقينا بان شاعر المعرة قد مارس حياته الأولى على امتلاء من علاقاته الإنسانية بحياة مواطنيه، وانفعال وجدانه الشاعري بالكثير من هذه العلاقات، وأنه كان ينظر إلى الناس والحياة من خلال عواطفه وعلاقاته هذه، وأن النظرة المتزمتة المتبرمة بالناس وبالحياة لم تكن عهدئذ قد وجدت سبيلها إلى نفسه وتفكيره.
وأول ما يلفت انتباهنا من الدلالات على ذلك في شعر سقط الزند، ما جاء في قسم الدرعيات من أبيات قالها في لاعب شطرنج:
قل لترب الآداب في كل فن * وحليف الندى وحرب العذول أيها اللاعب الذي فرس الشطرنج * همت في كفه بالصهيل من يباريك والبياذق في * كففك يغلبن كل رخ وفيل نصرع الشاه في المجال ولو * جاء مردي بالتاج والإكليل لطف رأي يستأسر الملك الأعظم * بالواحد الحقير الذليل أنت فوق الصولي في هذه الخللة، * مزر في غيرها بالخليل (1) لسنا ندري متى نظم المعري هذه الأبيات، ولكن يكفينا منها دلالتها الصريحة على معرفة أبي العلاء بأدوات الشطرنج وحركاتها معرفة الخبير، ثم دلالتها ضمنا على أن رواية يتيمة الدهر عن ظرف أبي العلاء ومشاركته في لعب الشطرنج زمن شبيبته، ليست بعيدة ولا غريبة عن الصدق والواقع، حتى في أضعف فقرة منها، وهي الفقرة التي شكك فيها الدكتور طه حسين كما تقدم.
ولنقارن الآن أبا العلاء الكاره للزواج وللمرأة وللنسل، المتشدد في هذه الكراهية إلى الحد المعروف عنه في أشعار اللزوميات، أو إلى الحد الذي دفعه كما يخبرنا أكثر المؤرخين له أن يوصي بان يكتب على قبره ذلك البيت الذي يصف جماع آرائه الصارمة في النسل والزواج والحياة معا:
هذا جناه أبي علي، * وما جنيت على أحد لنقارن أبا العلاء هذا صاحب اللزوميات، بأبي العلاء صاحب سقط الزند، فسنرى أن هذا الآخر قد أنشأ ثلاث قصائد في تهنئة ثلاثة من قومه بزواجهم، وأنشأ قصيدتين في التهنئة بمولودين...
ترى، أيتوافق هذا الاندفاع في التهنئة بالزواج وبالمولود، مع تلك النظرة الساخطة إلى المرأة والزواج والتناسل؟. إن بين الأمرين تناقضا ظاهرا!... فإذا قيل لنا إن هذه القصائد كان يدفع إليها المدح والمجاملة لبعض الأمراء في حلب، أكثر مما يدفع إليها الاستبشار بالزواج وبالمولود، أو التهنئة بهما لذاتيهما قلنا أولا: إن هذا أيضا دليل على أن أبا العلاء لم يكن يكره أن يمدح أمراء زمانه، ولم يخالف طريقة الشعراء في عهده من هذا الوجه.
ونقول ثانيا: إن شاعر المعرة قد ذكر المرأة في القصائد الثلاث، إلى جانب المدح، ذكرا جميلا تفوح منه رائحة الرجل الإنسان الذي يرى في المرأة وجه النعمة والنضرة والغبطة والخير. في حين هو يرى في اللزوميات أن:
بدء السعادة إن لم تخلق امرأة ويظهر لنا أنه لم ينظم هذه القصائد في صباه، لأن جامع الديوان وأبو العلاء نفسه هو جامع الديوان عودنا أن ينص عند كل قصيدة قالها في الصبا أنها مما قاله في ذلك العهد. فإذا رجعنا إلى إحدى هذه القصائد نسمعه يقول لصاحبه الذي يهنئه بزفافه (2):
وتهن النعمى السنية والبس * حلل المجد والفعال الخطير وتمتع بنضرة العيش، إذ جاءتك * في رونق الزمان النضير خير أيدي الزمان عند بني الدنيا * أتت في أوان خير الشهور يا لها نعمة، وليس ببدع * أن تحوز الشموس رق البدور ونرى استطرادا أن نثبت هنا أبياتا ثلاثة في القصيدة خص بها أبو العلاء مدينة حلب، قال:
حلب للولي جنة عدن * وهي للغادرين نار سعير والعظيم العظيم يكبر في عينيه * منها قدر الصغير الصغير فقويق في أنفس القوم بحر * وحصاة منها نظير ثبير (2) وفي القصيدة الثانية، وأكثرها طراز من المديح العادي المألوف، يخلص الشاعر إلى تهنئة أمير حلب بعرسه، فيقول:
الآن فاله عن الهيجاء مغتبطا * طال امتراؤك خلفي نابها الضبس (4) وفي حين نرى المرأة في اللزوميات، موضع سوء ظنه دائما، لا يثق بحفاظها على حصانتها، ويرى ضعفها على الاغراء هو الأصل في سلوكها، بحيث يقول هناك في اللزوميات:
وما يمنع الخود الحصان حصونها * ولو أن أبراج السماء حصونها نراه مع ذلك هنا في سقط الزند يراها أخت الأسد الصعب في امتناعها على غير المحلل لها من الرجال. وها هو ذا يقول لأمير حلب الذي يهنئه بعرسه، في القصيدة المتقدمة الذكر، وهو يصف عروسه:
ما ربة الغيل أخت الظبي فزت بها * بل ربة الغيل أخت الضيغم الشرس (5) يقصد أن هذه العروس ليس ينبغي أن تشبه كالعادة بالظباء، بل هي أشبه باللبوة أخت الأسد في امتناعها وحصانتها وعفافها. ألا ترى أن المرأة هنا عند أبي العلاء تناقض المرأة عنده هناك في اللزوميات؟.
وفي حين يرى أبو العلاء في اللزوميات أن من الخير للانسان أن لا يولد، وأن الحياة هبة أثيمة يجني بها الآباء على الأبناء:
فليت وليدا مات ساعة موته * ولم يرتضع من أمه النفساء نجده هنا، في سقط الزند يرى نقيض ذلك أيضا... فها هو ذا يهنئ أبا القاسم بن القاضي التنوخي بمولوده، فكيف يهنئه؟. إنه يرى الوليد المستهل نعمة نزلت من السماك الأعلى، فاستحق أن توفي بمولده النذور وأن تساق الهدايا إلى البيت الكريم، أي الكعبة، لأنه يرى المولود الكريم سرا من أسرار المجد لأبيه:

(1) الصولي: هو أبو إسحاق الصولي وقد كان ماهرا بلعب الشطرنج، والخليل: هو الخليل بن أحمد الفراهيدي صاحب علم العروض.
(2) سقط الزند - الطبعة اللبنانية - ص 15.
(3) قويق: نهر صغير معروف في حلب. وثبير: اسم لبضعة جبال في ظاهرة مكة.
(4) الهيجاء: الحرب. امترى: استخرج الحليب من ضرع الناقة أو غيرها. الخلف (بكسر الخاء): حلمة الضرع. الناب: الناقة المسنة. الضبس: الشرس العسير.
(5) الغيل: أجمة الظباء والأسود: الضغيم: الأسد.
(٣٦)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 ... » »»
الفهرست
الرقم العنوان الصفحة
1 المقدمة 5
2 آمنة القزوينية - إبراهيم القطيفي - البحراني - الخطي - أحمد الدندن - الصحاف 7
3 أحمد مسكويه 8
4 أحمد آل عصفور - البحراني 19
5 أحمد بن حاجي - الدرازي - الدمستاني - المتنبي 20
6 أحمد القطيفي 32
7 أحمد الغريفي 33
8 أحمد عصفور - الزاهد - الخطي - البحراني 41
9 أحمد البحراني - الزنجي - البلادي - العقيري 42
10 أحمد القطيفي - آل عصفور - الشايب - المصري 43
11 أحمد الصاحب 45
12 أحمد البحراني - الأحوص - إدريس الثاني 46
13 إدريس الأول 49
14 إسماعيل الصفوي 50
15 أم كلثوم القزوينية - أمانت 68
16 أويس الأول - أيوب البحراني - بابر 69
17 باقر الدمستاني - بيرم خان خانان 70
18 جارية بن قدامة السعدي 71
19 جعفر القطاع - البحراني 77
20 جواد علي - جويرية - حبيب بن قرين 78
21 حرز العسكري - حسن عصفور - القطيفي 79
22 الحسن الوزير المهلبي 81
23 حسن الدمستاني 92
24 الحسين النعالي - معتوق - آل عصفور 93
25 حسن الحيدري - البلادي - الحسين ابن خالويه 95
26 حسين الغريفي - البحراني - الماحوزي 98
27 الحسين الطغرائي 99
28 حسين الفوعي - القزويني 104
29 حسين نور الدين - الحسين بن سينا 105
30 حمد البيك 120
31 خلف آل عصفور - الخليل بن أحمد الفراهيدي 134
32 داود البحراني 138
33 درويش الغريفي - رقية الحائرية - رويبة - السائب - الأشعري - سعد صالح 139
34 سعيد حيدر 140
35 سليمان الأصبعي 151
36 شبيب بن عامر - صالح الكرزكاني - صخير 152
37 صدر الدين الصدر - طاشتكين 153
38 عبد الإمام - عبد الجبار - عبد الرؤوف - عبد الرضا - عبد الحسين القمي - ابن رقية 154
39 عبد الرحمان الهمداني - ابن عبيد 155
40 عبد الرحمان النعماني - عبد السلام بن رغبات ديك الجن 156
41 عبد الله الحلبي - عبد علي عصفور 158
42 عبد علي القطيفي - عبد العلي البيرجندي - عبد الغفار نجم الدولة 159
43 عبد الكريم الممتن 160
44 عبد الله المقابي - الحجري - البحراني - الكناني - الأزدي - ابن وال - الأزدي 162
45 عبد الله النهدي - الأحمر - عبد المحسن اللويمي 163
46 عبد النبي الدرازي - عبيد الله بن الحر الجعفي 164
47 عبيدة - عدنان الغريفي 172
48 علي الأحسائي - البحراني - المقابي - جعفر - الدمستاني 173
49 علي الصالحي - ابن الشرقية 174
50 علي بن المؤيد 176
51 علي باليل 183
52 سيف الدولة الحمداني - ابن بابويه 185
53 علي الغريفي 196
54 علي نقي الحيدري - ابن أسباط - الصحاف 201
55 علي الحماني 202
56 علي بن الفرات 211
57 علي التهامي 213
58 عمر بن العديم 218
59 عيسى عصفور - قيس بن عمرو النجاشي 220
60 كريب - مال الله الخطي - ماه شرف 222
61 محسن عصفور - محمد الأسدي 223
62 محمد الكناني 226
63 محمد بن أحمد الفارابي 227
64 محمد البيروني 232
65 محمد الدمستاني - السبعي - الشويكي - الخطي - السبزواري 245
66 محمد النيسابوري - الشريف الرضي محمد بن الحسين 246
67 محمد الكرزكاني - المقابي 281
68 محمد بن أبي جمهور الأحسائي 282
69 محمد البحراني - البرغاني 286
70 محمد تقي الفشندي - آل عصفور - الحجري - الهاشمي 287
71 محمد جواد دبوق - المقابي - البحراني - آل عصفور 297
72 محمد عباس الجزائري 298
73 محمد علي البرغاني 299
74 محمد صالح البرغاني 300
75 محمد قاسم الحسيني - البغلي 305
76 محمد علي الأصفهاني - محمد كاظم التنكابني - محمد محسن الكاشاني 308
77 محمد محسن العاملي - محمد مهدي البصير - محمد النمر 309
78 محمود بن الحسين كشاجم 312
79 مرتضى العلوي - مغامس الحجري - مصطفى جواد 322
80 معتوق الأحسائي 327
81 معد الموسوي - معقل بن قيس الرياحي 328
82 مهدي الحكيم 330
83 مهدي بحر العلوم 330
84 مهدي المازندراني - الحيدري 333
85 منصور كمونة 336
86 مهدي الكلكاوي - محمد طاهر الحيدري - محمد بن مسلم الزهري - خاتون - معمر البغدادي - محسن الجواهري 337
87 ناصر الجارودي - حسين - نصر النحوي - المدائني - القاضي النعمان 338
88 نعمة الله الجزائري - نعيم بن هبيرة 342
89 نوح آل عصفور - نور الدين القطيفي - هبة الله ابن الشجري 343
90 هشام الجواليقي - يحيى الفراء 344
91 يعقوب الكندي 349
92 يوسف بن قزغلي 355
93 ملحق المستدركات - صلاح الدين الأيوبي 356
94 الخراسانية والمتشيعة 361
95 العرب والمأمون ثم البويهيون 364
96 سعد صالح 367
97 صلاح الدين وخلفاؤه - إسماعيل الصفوي 368
98 ابن جبير في جبل عامل 370