مستدركات أعيان الشيعة - حسن الأمين - ج ٢ - الصفحة ٤٧
وفي القرطاس أن مقتل راشد كان في السنة التي بويع فيها إدريس بن إدريس، قال: وكانت بيعة إدريس يوم الجمعة غرة ربيع الأول سنة 188 بعد مقتل راشد بعشرين يوما وإدريس يومئذ ابن إحدى عشرة سنة وخمسة أشهر قاله عبد الملك الوراق في تاريخه:
وفي قتل راشد يقول إبراهيم بن الأغلب في بعض ما كتب به إلى الرشيد يعرفه بنصحه وكمال خدمته:
ألم ترني بالكيد أرديت راشدا * وأني بأخرى لابن إدريس راصد تناوله عزمي على بعد داره * بمحتومة يحظى به من يكايد نفاه أخو عك بمقتل راشد * وقد كنت فيه شاهدا وهو راقد يريد بأخي عك محمد بن مقاتل العكي والي أفريقية، فإنه لما حاول ابن الأغلب قتل راشد وتم له ذلك كتب العكي إلى الرشيد يعلمه أنه هو الذي فعل ذلك، فكتب صاحب البريد إلى الرشيد بحقيقة الأمر، وأن ابن الأغلب هو الفاعل لذلك والمتولى له، فثبت عند الرشيد كذب العكي وصدق ابن الأغلب، فعزل الرشيد العكي عن أفريقيا وولى ابن الأغلب عليها، وإنما كان قبل ذلك عاملا للعكي على بعض كورها، هكذا حكى صاحب القرطاس، وفيه أن عزل العكي أن أفريقية وتولية ابن الأغلب عليها كان في سنة أربع وثمانين قبل وفاة راشد بسنتين، أو بأربع سنين على الخلاف المتقدم.
وقال البكري والبرنسي: إن راشدا لم يمت حتى أخذ البيعة لإدريس بالمغرب، وأن إدريس لما تم له من العمر إحدى عشرة سنة ظهر من وفور عقله ونباهته وفصاحته ما أذهل عقول الخاصة والعامة، فاخذ له راشد البيعة على البربر يوم الجمعة سابع ربيع الأول من السنة المذكورة، فصعد إدريس المنبر وخطب الناس فقال: الحمد لله أحمده وأستغفره وأستعين به وأتوكل عليه، وأعوذ به من شر نفسي ومن شر كل مشر، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله المبعوث إلى الثقلين بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله باذنه وسراجا منيرا، ص، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهير أيها الناس: إنا قد ولينا هذا الأمر الذي يضاعف فيه للمحسن الأجر وعلى السيء الوزر، ونحن والحمد لله على قصد، فلا تمدوا الأعناق إلى غيرنا فان الذي تطلبونه من إقامة الحق إنما تجدونه عندنا.
ثم دعا الناس إلى بيعته وحضهم على التمسك بطاعته. فعجب الناس من فصاحته وقوة جأشه على صغر سنه، ثم نزل فتسارع الناس إلى بيعة وازدحموا عليه يقبلون يده، فبايعه كافة قبائل المغرب من زناتة وأوربة ومنهاجة وغمارة وسائر قبائل البربر فتت له البيعة، وبعد بيعته بقليل توفي مولاه راشد، والله أعلم.
وفود العرب على إدريس لما استقام أمر المغرب لإدريس بن إدريس وتوحد ملكه، وعظم سلطانه، وكثرت جيوشه، وأتباعه وفدت عليه الوفود من البلدان، وقصده الناس من كل مكان فاستمر بقية سنة ثمان وثمانين يصل الوفود ويبذل الأموال ويستميل الرؤساء والأقيال.
ولما دخلت سنة تسع وثمانين ومائة وفدت عليه وفود العرب من أفريقية والأندلس نازعين إليه وملتفين عليه فاجتمع لديه منهم نحو خمسمائة فارس من قيس والأزد ومذحج ويحصب والصدف وغيرهم فسر إدريس بوفادتهم وأجزل صلتهم وأدنى منزلتهم وجعلهم بطانة دون البربر فاستوزر منهم عمير بن مصعب الأزدي المعروف بالملجوم، من ضربة ضربها في بعض حربهم وسمته على الخرطوم.
وكان عمير من فرسان العرب وسادتها ولأبيه مصعب مآثر بأفريقية والأندلس وواقف في غزو الفرنج واستقضى منهم عامر بن محمد بن سعيد القيسي وكان من أهل الورع والفقه والدين، سمع من مالك بن أنس وسفيان الثوري وروى عنهما كثيرا، وكان قد خرج إلى الأندلس مجاهدا، ثم أجاز إلى العدوة، فوفد بها على إدريس فيمن وفد عليه من العرب فاستقضاه واستكتب منهم أبا الحسن عبد الله بن مالك الخزرجي.
ولم تزل الوفود تقدم عليه من العرب والبربر حتى كثر الناس لديه وضاقت بهم مدينة وليلى.
وانتهى إلى ابن الأغلب ما عليه إدريس من الاستفحال فأرهق عزمه للتضريب بين البربر واستفسادهم على إدريس. فكان منهم بهلول بن عبد الله الواحد المضغري من خاصة إدريس ومن أركان دولته، فكاتبه ابن الأغلب واستهواه بالمال حتى بايع الرشيد وانحرف عن إدريس واعتزله في قومه، فصالحه إدريس وكتب إليه يستعطفه بقرابته من رسول الله فكف عنه، وكان فيما كتب به إدريس إلى بهلول المذكور قوله:
أبهلول قد حملت نفسك خطة * تبدلت منها ضلة برشاد أضلك إبراهيم مع بعد داره * فأصبحت منقادا بغير قياد كأنك لم تسمع بمكر ابن أغلب * وقدما رمى بالكيد كل بلاد ومن دون ما منتك نفسك خاليا * ومناك إبراهيم شوك قتاد ثم أحس إدريس من إسحاق بن محمد الأوربي بانحراف عنه وموالاة لابن الأغلب فقتله سنة 190 وصفا له المغرب وتمكن سلطانه به.
بناء مدينة فاس لما كثرت الوفود من العرب وغيرهم على إدريس وضاقت بهم مدينة وليلى أراد أن يبني لنفسه مدينة يسكنها هو وخاصته ووجوه دولته فركب يوما في جماعة من حاشيته وخرج يتخير البقاع فوصل إلى جبل هناك فأعجبه ارتفاعه وطيب هوائه وتربته، فاختط بسنده مدينة مما يلي الجوف، وشرع في بائها فبنى بعضا من الدور ونحو الثلث من السور، فاتى أسيل من أعلى الجبل في بعض الليالي، فهدم السور والدور، وحمل ما حول ذلك من الخيام والزروع وألقاها في نهر سبو، فكف إدريس عن البناء، واستمر الحال على ذلك مدة يسيرة، ثم خرج ثانية يتصيد ويرتاد لنفسه موضعا يبني فيه ما قد عزم عليه، فانتهى إلى نهر سبو حيث هي حمة خولان، فأعجبه الموضع لقربه من الماء ولأهل الحمة التي هناك (1) فعزم إدريس على أن يبني هناك مدينة وشرع في حفر الأساس وعمل الجيار وقطع الخشب وابتدأ بالبناء، ثم فكر في سبو وما يأتي به من المدود والسيول زمان الشتاء وما يحصل بذلك من الضرر

(1) الحمة كل عين فيها ماء حار ينبع مها ويستشفى به.
(٤٧)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 ... » »»
الفهرست
الرقم العنوان الصفحة
1 المقدمة 5
2 آمنة القزوينية - إبراهيم القطيفي - البحراني - الخطي - أحمد الدندن - الصحاف 7
3 أحمد مسكويه 8
4 أحمد آل عصفور - البحراني 19
5 أحمد بن حاجي - الدرازي - الدمستاني - المتنبي 20
6 أحمد القطيفي 32
7 أحمد الغريفي 33
8 أحمد عصفور - الزاهد - الخطي - البحراني 41
9 أحمد البحراني - الزنجي - البلادي - العقيري 42
10 أحمد القطيفي - آل عصفور - الشايب - المصري 43
11 أحمد الصاحب 45
12 أحمد البحراني - الأحوص - إدريس الثاني 46
13 إدريس الأول 49
14 إسماعيل الصفوي 50
15 أم كلثوم القزوينية - أمانت 68
16 أويس الأول - أيوب البحراني - بابر 69
17 باقر الدمستاني - بيرم خان خانان 70
18 جارية بن قدامة السعدي 71
19 جعفر القطاع - البحراني 77
20 جواد علي - جويرية - حبيب بن قرين 78
21 حرز العسكري - حسن عصفور - القطيفي 79
22 الحسن الوزير المهلبي 81
23 حسن الدمستاني 92
24 الحسين النعالي - معتوق - آل عصفور 93
25 حسن الحيدري - البلادي - الحسين ابن خالويه 95
26 حسين الغريفي - البحراني - الماحوزي 98
27 الحسين الطغرائي 99
28 حسين الفوعي - القزويني 104
29 حسين نور الدين - الحسين بن سينا 105
30 حمد البيك 120
31 خلف آل عصفور - الخليل بن أحمد الفراهيدي 134
32 داود البحراني 138
33 درويش الغريفي - رقية الحائرية - رويبة - السائب - الأشعري - سعد صالح 139
34 سعيد حيدر 140
35 سليمان الأصبعي 151
36 شبيب بن عامر - صالح الكرزكاني - صخير 152
37 صدر الدين الصدر - طاشتكين 153
38 عبد الإمام - عبد الجبار - عبد الرؤوف - عبد الرضا - عبد الحسين القمي - ابن رقية 154
39 عبد الرحمان الهمداني - ابن عبيد 155
40 عبد الرحمان النعماني - عبد السلام بن رغبات ديك الجن 156
41 عبد الله الحلبي - عبد علي عصفور 158
42 عبد علي القطيفي - عبد العلي البيرجندي - عبد الغفار نجم الدولة 159
43 عبد الكريم الممتن 160
44 عبد الله المقابي - الحجري - البحراني - الكناني - الأزدي - ابن وال - الأزدي 162
45 عبد الله النهدي - الأحمر - عبد المحسن اللويمي 163
46 عبد النبي الدرازي - عبيد الله بن الحر الجعفي 164
47 عبيدة - عدنان الغريفي 172
48 علي الأحسائي - البحراني - المقابي - جعفر - الدمستاني 173
49 علي الصالحي - ابن الشرقية 174
50 علي بن المؤيد 176
51 علي باليل 183
52 سيف الدولة الحمداني - ابن بابويه 185
53 علي الغريفي 196
54 علي نقي الحيدري - ابن أسباط - الصحاف 201
55 علي الحماني 202
56 علي بن الفرات 211
57 علي التهامي 213
58 عمر بن العديم 218
59 عيسى عصفور - قيس بن عمرو النجاشي 220
60 كريب - مال الله الخطي - ماه شرف 222
61 محسن عصفور - محمد الأسدي 223
62 محمد الكناني 226
63 محمد بن أحمد الفارابي 227
64 محمد البيروني 232
65 محمد الدمستاني - السبعي - الشويكي - الخطي - السبزواري 245
66 محمد النيسابوري - الشريف الرضي محمد بن الحسين 246
67 محمد الكرزكاني - المقابي 281
68 محمد بن أبي جمهور الأحسائي 282
69 محمد البحراني - البرغاني 286
70 محمد تقي الفشندي - آل عصفور - الحجري - الهاشمي 287
71 محمد جواد دبوق - المقابي - البحراني - آل عصفور 297
72 محمد عباس الجزائري 298
73 محمد علي البرغاني 299
74 محمد صالح البرغاني 300
75 محمد قاسم الحسيني - البغلي 305
76 محمد علي الأصفهاني - محمد كاظم التنكابني - محمد محسن الكاشاني 308
77 محمد محسن العاملي - محمد مهدي البصير - محمد النمر 309
78 محمود بن الحسين كشاجم 312
79 مرتضى العلوي - مغامس الحجري - مصطفى جواد 322
80 معتوق الأحسائي 327
81 معد الموسوي - معقل بن قيس الرياحي 328
82 مهدي الحكيم 330
83 مهدي بحر العلوم 330
84 مهدي المازندراني - الحيدري 333
85 منصور كمونة 336
86 مهدي الكلكاوي - محمد طاهر الحيدري - محمد بن مسلم الزهري - خاتون - معمر البغدادي - محسن الجواهري 337
87 ناصر الجارودي - حسين - نصر النحوي - المدائني - القاضي النعمان 338
88 نعمة الله الجزائري - نعيم بن هبيرة 342
89 نوح آل عصفور - نور الدين القطيفي - هبة الله ابن الشجري 343
90 هشام الجواليقي - يحيى الفراء 344
91 يعقوب الكندي 349
92 يوسف بن قزغلي 355
93 ملحق المستدركات - صلاح الدين الأيوبي 356
94 الخراسانية والمتشيعة 361
95 العرب والمأمون ثم البويهيون 364
96 سعد صالح 367
97 صلاح الدين وخلفاؤه - إسماعيل الصفوي 368
98 ابن جبير في جبل عامل 370