مستدركات أعيان الشيعة - حسن الأمين - ج ٢ - الصفحة ٢٥٦
وكان الشريف الرضي الإنسان، والرائد المصلح، شديد العبرة، قوي التعاطف مع المثكولين. وهو في ذلك يشبه آباءه الأولين الذين كانوا يبكون الليل من خشية الله حتى ذبلت عيونهم.
ويقول د. زكي مبارك: ومن عجائب ما وقفت عليه أن الناس كانوا يسألون الشريف أن يبكي موتاهم فيجيب: والشجى يبعث الشجى، والدنيا عند الحزين كلها قبر مالك أليس من العجيب أن يسأل الشريف بكاء ميت لا يعنيه فيقول:
ألا مخبر فيما يقول جلية * يزيل بها الشك المريب يقين أسائله عن غائب كيف حاله * ومن نزل الغبراء كيف يكون وما كنت أخشى من زماني أنني * أرق على ضرائه وألين إلى أن رماني بالتي لا شوى لها * فأعقب من بعد الرنين أنين وإن أحق المجهشين بعبرة * ووجد قرين بان عنه قرين وما تنفع المرء الشمال وحيدة * إذا فارقتها بالمنون يمين تجرم عام لم أنل منك نظرة * وحان ولم يقدر لقاؤك حين أمر بقبر قد طواك جديده * فأبلس حتى ما أكاد أبين وتنفض بالوجد الأليم أضالع * وترفض بالدمع الغزير شؤون ومعاذ الأدب أن يكون الشريف في هذه القصيدة كالنائحة المستأجرة، وهل كانت النائحة المستأجرة تعني حقا من دعيت للبكاء عليه؟ إنها تبكي ودائعها في التراب فهي نائحة ثكلى مفطورة الفؤاد.
ويضيف: فالشريف يجسم معاني الأخوة وهو يبكي أصدقاءه المجهولين وهو أيضا يشرح للناس مذاهب الوفاء.
ومن شواهد شعره في بكاء المغمورين ما قاله:
ما لي أودع كل يوم ظاعنا * لو كنت آمل للوداع لقاءا وأروح أذكر ما أكون لعهده * فكأنني استودعته الأحشاءا فرغت يدي منه وقد رجعت به * أيدي النوائب والخطوب ملاءا أحبابي الأدنين كم ألقى بكم * داء يمض فلا أداوي الداءا أحيا إخاءكم الممات وغيركم * جربتهم فثكلتهم أحياءا إلا يكن جسدي أصيب فإنني * فرقته فدفنته أعضاءا وقال في قصيدة ثانية:
أقول وقد قالوا مضى لسبيله * مضى غير رعديد الجنان ولا نكس كان حداد الليل زاد سواده * عليك ورد الضوء من مطلع الشمس أرى كل رزء دون رزئك قدره * فليس يلاقيني ليومك ما ينسي وقال من قصيدة ثالثة وهي في رجل كانت له شخصية، ولا نعرف السبب في طي اسمه عن الناس:
ما بعد يومك ما يسلو به السالي * ومثل يومك لم يخطر على بالي وكيف يسلو فؤاد هاض جانبه * قوارع من جوى هم وبلبال يا قلب صبرا فان الصبر منزلة * بعد الغلو إليها يرجع الغالي نقص الجديدين من عمري يزيد على * ما ينقصان على الأيام من حالي مضى الذي كنت في الأيام آمله * من الرجال فيا بعدا لآمالي قد كان شغلي من الدنيا فمذ فرغت * منه يدي زاد طول الوجد أشغالي تركته لذيول الريح مدرجة * ورحت أسحب عنه فضل أذيالي ما بالي اليوم لم ألحق به كمدا * أو أنزع الصبر والسلوان من بالي ويربط د. زكي مبارك الطبيعة البكائية للشريف الرضي بظاهرة هي من غرائب الوفاء عند الشريف وهي بكاء النساء قائلا: وهناك جانب من غرائب الوفاء عند الشريف هو بكاء النساء، وهذا أغرب الجوانب، وهو يحتاج إلى تأمل ودرس، ولا نعرف بالضبط كيف نشأ الاحساس عند الشريف، فقد كان المألوف في التقاليد العربية أن لا يبكى من النساء غير المعشوقات، وبكاء الأمهات والحلائل باب من النبل، ولكنه في شعر العرب قليل، فقد لا يساوي واحدا من خمسين إذا أحصينا ما قيل في الرثاء، فكيف اتفق للشريف الرضي أن يكثر من تعزية الناس في أمهاتهم، وبناتهم، وأخواتهم؟.
إن هذه الظاهرة ليس لها عندي غير تعليل واحد، هو أن الشريف الرضي كان ابن أمه كما يعبر المصريون حين يداعبون من يغضبون لأمهاتهم من الأطفال.
ونحن نعرف أن أيام البؤس في حياة الشريف مضت وهو في رعاية أمه الرءوم التي باعت أملاكها وحليها لتقيه وتقي أخاه ذل العوز والاحتياج.
والأم الرءوم لم تجد من يؤرخ فضلها في اللغة العربية. ويندر بين كتاب العرب من يقول حدثتني أمي وأنبأتني أختي وأخبرتني حليلتي، وإن كان في شعرائهم من يقبل النعال في أقدام الملاح.
وما أريد أن أطيل القول فيما أثر عن العرب والهنود من بغض البنات، فذلك معروف، وانما أريد أن أقف عند هذه النزعة النبيلة من نزعات الشريف، وأنا أجزم بأنه كان يرى المرأة في صورة أمه تلك الأم التي وقته مكاره الحياة في السنين العجاف يوم أودع أبوه غياهب الاعتقال.
وما يهم من ذكر استطراد د. زكي مبارك، هنا، هو أن بكائية الشريف الرضي كانت تسع الأصدقاء المعروفين والمجهولين، والأحبة المفقودين، والناس المحزونين، لأنه في ذلك كان يجسد طبيعته البكاءة، وما لم يعطه د.
زكي حقه في تعليل الظاهرة البكائية للرضي مغزى العلاقة بين الزهد والبكاء، وفيض تلك العلاقة على جوانب الحزن والتأسي والتفجع لكل محزون أو مفجوع.
ويمتد جذر العلاقة بين الزهد والبكاء في حياة الشريف الرضي إلى آبائه الزهاد المعروفين بكثرة البكاء، وبخاصة زين العابدين بن الحسين، الباقر بن زين العابدين وسواهما.
وقد أورد لنا أبو نعيم نصا بين فيه جوهر زهد علي بن الحسين زين العابدين، وذلك أنه سئل عن كثرة بكائه فقال: لا تلوموني فان يعقوب فقد سبطا من ولده فبكى حتى ابيضت عيناه ولم يعلم أنه مات. وقد نظرت إلى أربعة عشر رجلا من أهل بيتي يقتلون في غزاة واحدة. أفترون حزنهم يذهب من قلبي.
أما محمد الباقر بن زين العابدين ع فكان يقول: ما اغرورقت عين بمائها إلا حرم الله وجه صاحبها على النار.
(٢٥٦)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 251 252 253 254 255 256 257 258 259 260 261 ... » »»
الفهرست
الرقم العنوان الصفحة
1 المقدمة 5
2 آمنة القزوينية - إبراهيم القطيفي - البحراني - الخطي - أحمد الدندن - الصحاف 7
3 أحمد مسكويه 8
4 أحمد آل عصفور - البحراني 19
5 أحمد بن حاجي - الدرازي - الدمستاني - المتنبي 20
6 أحمد القطيفي 32
7 أحمد الغريفي 33
8 أحمد عصفور - الزاهد - الخطي - البحراني 41
9 أحمد البحراني - الزنجي - البلادي - العقيري 42
10 أحمد القطيفي - آل عصفور - الشايب - المصري 43
11 أحمد الصاحب 45
12 أحمد البحراني - الأحوص - إدريس الثاني 46
13 إدريس الأول 49
14 إسماعيل الصفوي 50
15 أم كلثوم القزوينية - أمانت 68
16 أويس الأول - أيوب البحراني - بابر 69
17 باقر الدمستاني - بيرم خان خانان 70
18 جارية بن قدامة السعدي 71
19 جعفر القطاع - البحراني 77
20 جواد علي - جويرية - حبيب بن قرين 78
21 حرز العسكري - حسن عصفور - القطيفي 79
22 الحسن الوزير المهلبي 81
23 حسن الدمستاني 92
24 الحسين النعالي - معتوق - آل عصفور 93
25 حسن الحيدري - البلادي - الحسين ابن خالويه 95
26 حسين الغريفي - البحراني - الماحوزي 98
27 الحسين الطغرائي 99
28 حسين الفوعي - القزويني 104
29 حسين نور الدين - الحسين بن سينا 105
30 حمد البيك 120
31 خلف آل عصفور - الخليل بن أحمد الفراهيدي 134
32 داود البحراني 138
33 درويش الغريفي - رقية الحائرية - رويبة - السائب - الأشعري - سعد صالح 139
34 سعيد حيدر 140
35 سليمان الأصبعي 151
36 شبيب بن عامر - صالح الكرزكاني - صخير 152
37 صدر الدين الصدر - طاشتكين 153
38 عبد الإمام - عبد الجبار - عبد الرؤوف - عبد الرضا - عبد الحسين القمي - ابن رقية 154
39 عبد الرحمان الهمداني - ابن عبيد 155
40 عبد الرحمان النعماني - عبد السلام بن رغبات ديك الجن 156
41 عبد الله الحلبي - عبد علي عصفور 158
42 عبد علي القطيفي - عبد العلي البيرجندي - عبد الغفار نجم الدولة 159
43 عبد الكريم الممتن 160
44 عبد الله المقابي - الحجري - البحراني - الكناني - الأزدي - ابن وال - الأزدي 162
45 عبد الله النهدي - الأحمر - عبد المحسن اللويمي 163
46 عبد النبي الدرازي - عبيد الله بن الحر الجعفي 164
47 عبيدة - عدنان الغريفي 172
48 علي الأحسائي - البحراني - المقابي - جعفر - الدمستاني 173
49 علي الصالحي - ابن الشرقية 174
50 علي بن المؤيد 176
51 علي باليل 183
52 سيف الدولة الحمداني - ابن بابويه 185
53 علي الغريفي 196
54 علي نقي الحيدري - ابن أسباط - الصحاف 201
55 علي الحماني 202
56 علي بن الفرات 211
57 علي التهامي 213
58 عمر بن العديم 218
59 عيسى عصفور - قيس بن عمرو النجاشي 220
60 كريب - مال الله الخطي - ماه شرف 222
61 محسن عصفور - محمد الأسدي 223
62 محمد الكناني 226
63 محمد بن أحمد الفارابي 227
64 محمد البيروني 232
65 محمد الدمستاني - السبعي - الشويكي - الخطي - السبزواري 245
66 محمد النيسابوري - الشريف الرضي محمد بن الحسين 246
67 محمد الكرزكاني - المقابي 281
68 محمد بن أبي جمهور الأحسائي 282
69 محمد البحراني - البرغاني 286
70 محمد تقي الفشندي - آل عصفور - الحجري - الهاشمي 287
71 محمد جواد دبوق - المقابي - البحراني - آل عصفور 297
72 محمد عباس الجزائري 298
73 محمد علي البرغاني 299
74 محمد صالح البرغاني 300
75 محمد قاسم الحسيني - البغلي 305
76 محمد علي الأصفهاني - محمد كاظم التنكابني - محمد محسن الكاشاني 308
77 محمد محسن العاملي - محمد مهدي البصير - محمد النمر 309
78 محمود بن الحسين كشاجم 312
79 مرتضى العلوي - مغامس الحجري - مصطفى جواد 322
80 معتوق الأحسائي 327
81 معد الموسوي - معقل بن قيس الرياحي 328
82 مهدي الحكيم 330
83 مهدي بحر العلوم 330
84 مهدي المازندراني - الحيدري 333
85 منصور كمونة 336
86 مهدي الكلكاوي - محمد طاهر الحيدري - محمد بن مسلم الزهري - خاتون - معمر البغدادي - محسن الجواهري 337
87 ناصر الجارودي - حسين - نصر النحوي - المدائني - القاضي النعمان 338
88 نعمة الله الجزائري - نعيم بن هبيرة 342
89 نوح آل عصفور - نور الدين القطيفي - هبة الله ابن الشجري 343
90 هشام الجواليقي - يحيى الفراء 344
91 يعقوب الكندي 349
92 يوسف بن قزغلي 355
93 ملحق المستدركات - صلاح الدين الأيوبي 356
94 الخراسانية والمتشيعة 361
95 العرب والمأمون ثم البويهيون 364
96 سعد صالح 367
97 صلاح الدين وخلفاؤه - إسماعيل الصفوي 368
98 ابن جبير في جبل عامل 370