مستدركات أعيان الشيعة - حسن الأمين - ج ٢ - الصفحة ٢٣٨
الجشع البشري وتكالب الناس على المادية لتعلقهم بهدبها فيقول، لما سهل الله على الناس تكاليف الحياة وتصاريف المعاش بالصفراء والبيضاء يعني الذهب والفضة انطوت الأفئدة على حبهما ومالت القلوب إليهما كميلهما في الأيدي من يد واحدة إلى أخرى واشتداد الحرص والشح على ادخارهما والطمع والاستكثار منهما وجل محلهما من الشرف والأبهة وضعا لا طبعا واصطلاحا فيما بين الناس لا شرعا بل اتفاقا لأنهما ما هما إلا حجران لا يشبعان بذاتهما من جوع ولا يرويان من صدى ولا يدفعان بأسا ولا يقيان من أذى، وما أصدق هذا منذ زمن المؤلف وحتى وقتنا الحاضر أو أكثر.
ويتابع البيروني المنطق ذاته فيقول: وكل ما لم ينتفع به من غذاء يقيم الشخص ويبقي النوع، ومن ملبوس يدفع باس البائس ويقي أذى الحر والبرد ومن كن مسكن يعين على ذلك ويقبض يد الشر فليس بمحمود طبعا.
فالبيروني يؤكد الناحية العملية في المجتمع البشري فيرى أن الذهب والفضة بحد ذاتهما ليس فيهما غنى في قضاء حاجة من ماكل أو ملبس أو مأوى وإنما هما ممدوحان بالعرض وضعا إذ بهما يمكن الحصول على سد حاجات الناس وتامين أعوازهم لذلك هم سموا المال خيرا وكذا من يجود بالدراهم فإنه جائد بجميع الخير لأنه وإن لم يكن ذلك في طبعه فإنما يكون في ضمنه لاحتوائه على المناهج والقدرة في نيل المآرب والوصول إلى ميناء السلامة وغبطة العيش (1).
ولاعطاء مثل من الأمثال حول هذا الموضوع ما يرويه المؤلف في قالب قصصي كالآتي:
إن قوما أرست بهم السفينة في جزيرة منعزلة عن الطرق التجارية البحرية الهامة، فخطر على بال أحدهم إذ أراد شراء حاجة عرضت له فلنقل إنها من ماكل أو ملبس وبمقابل ذلك فإنه دفع دينارا على سبيل المثال كثمن جيد لرجل من أهل تلك الجزيرة وما كان من أمر هذا الرجل من سكان تلك الجزيرة أن أخذ هذا الدينار يقلبه ويشمه ويذوقه فلما لم يؤثر منه شيئا في هذه الحواس أثر نفع أو لذة رده إليه إذ لم يستجز دفع ما ينتفع به بما لا نفع فيه في عرفه وعادته. هكذا فان العبرة في هذه المثال أو تلك القصة أن المقايضة الصحيحة هي التي ينتفع منها لكلا الطرفين وأن المعاملة الطبيعة المباشرة بين النظراء هي التي تتم من حيث المبدأ في إبرام الصفقات التجارية المتبادلة والتي تصبح حقيقة وأسسا ومنبعا لنظام المعيشة ولمداولاته بين الناس في الحضارات الإنسانية وبين الشعوب الراقية المتحضرة والتي يمكن الاستفادة منها في النظم والخدمات الإدارية العصرية (2) أما المعاملة الوضعية المحلية فقد جاءت على الأعم حسبما ورد ذكره من الشعوب المتمدنة الماضية والأمم المعاصرة، في أمر ما تسمى بالفلزات وهي كلمة تطلق على جواهر الأرض كلها من معدن وحجارة كريمة وتعريفها وأهميتها واصطلاحاتها واستعمالاتها. وبسبب انتشارها وشيوعها فقد كانت وما زالت تزدان وتزدهي في أعين البشر حتى شغفت بها الأفئدة وصارت متعارفة بين غني أو فقير متداولة بين ذوي الجاه والمتواضعي السمعة ليس من أجل قيمة حقيقية بها ذاتها وإنما بما هو متعارف به مصطلح عليه حتى صارت مرغوبا فيها لدى الجميع ويحلو لهم امتلاكها. وقد أبان القرآن الكريم كيف أنه قد زين للناس صلاح المعيشة بالنساء وقرة العين بالأولاد وقوة القلب وبهجته وميوله باحتكار الأموال وكنز قناطير الذهب والفضة غريزة عزيزة لديهم (3).
إنه حقا من سخرية القدر ليس في عصر البيروني فحسب بل وحتى في زماننا الحاضر الواقعي أن نرى وجود طبقتين من الناس هما الصعالكة ورجال السلطنة شغلهما الشاغل كمأرب رئيسي في الحياة إنما هو تكديس الأموال باي شكل ثم إن ظروفهما الخاصة كما يبدو تقودهما إلى مثل هذا التصرف الشاذ وكل من هاتين الطبقتين قد أساء استعمال ما لديه من الثراء من ذهب وفضة وذلك بكنزهما بدلا من إنفاقهما ليتسنى تداولهما في أيدي الناس ويتحقق من أجل النفع الأعم والأفضل. ويخيل إلي بان كنز الأموال وحبسها هكذا مسالة تدعو للاستهجان وأمر مخالف لقصد الله تعالى الذي من فضل نعمته وحسن مشيئته سمح باكتشافها واستعمالها وإبدال أثمانها لمصالح عباده وخيرهم وقضاء حاجاتهم في المعاملات التجارية المشروعة (4).
وبطريقة فلسفية مفحمة يوضح البيروني كيف أن الله خلق الجواهر والمعادن النفيسة وبحكمته قد خزنها في باطن الأرض أجيالا طويلة وأتاح للناس اكتشافها واستخراجها وإعدادها تسهيلا للمعاملة والمداولة بين جميع الناس وفي كل مرافق الحياة. فامر اكتنازها إذا إنما هو مخالف لإرادة الله ومشيئته في مقدرات الناس وغمط لمنته وإحسانه بردها إلى باطن الأرض إلى مثل حالتها الأولى التي كانت فيها قبلا وهذا أمر يتنافى مع غاياته الفضلى وحسن تدبيره في الكون في هذه النظرية الاقتصادية المبدئية والاجتماعية البناءة والتي هي في غاية الأهمية حتى في عصرنا هذا، حتى أن البيروني يشبه كون خزن الذهب والفضة وحجزها عن التداول مثلا بمفهوم رد الأجنة إلى الأرحام التي فيها تكونت ومنها خرجت ما هي إلا رجعة عقيمة وعود يائس لا نفع منه

(١) يوضح البيروني أن الذهب والفضة والأعلاق النفيسة الأخرى هي هبات إلهية أعطيت لسد أعواز الناس للمتاجرة ولكن الإنسان مفطور على الطمع ومحبة المال التي هي أصل لكل الشرور فزاغ من غباوته عن الإيمان وطعن نفسه بأوجاع كثيرة، مع ذلك يعظم الناس ويبخلون مالكها حتى تعاطيها باليد له جاذبية خاصة فكنزها الكثيرون للمتعة وطلبا في تأمين عيش رغيد. أما قيمة المال الحقيقة فهي وضع لا طبع، لم تمدح بالشرع بل اصطلح عليها في المعاملات التجارية فيه لا تروي من ظمأ ولا تدفع أذى إنما " دعي المال خيرا " لأن من يجود به يؤمن به يؤمن حاجات الناس الضرورية مع أن هذا ليس من طبعة، في الجواهر، طبعة ١٩٣٦ م ص ٧ - ٩، ويحيى الهاشمي " نظريات الاقتصاد " ص ١٨٦ - ١٨٩.
(٢) لويس معلوف، المنجد في اللغة، طبعة ١٥ بيروت، المطبعة الكاثوليكية، ١٩٥٦ م ص ٦٢٥، وانظر علي أحمد الشحات، أبو الريحان البيروني، القاهرة، دار المعارف، ١٩٦٨ م ص ١٣٥ - ١٤٥.
(٣) لقد اقتبس المؤلف الآيات التالية: سورة الحديد: ١٩ (اعلموا إنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور)، ومن سورة آل عمران: ١٣ (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياء الدنيا والله عنده حسن المآب) وللتفسير اعتمدنا كتاب الشيخ حسين محمد مخلوف، كلمات القرآن تفسير وبيان، القاهرة، البابي الحلبي، 1390 ه‍ / 1970 م.
(4) في سورة التوبة: 33 نجد أيضا كشفا لحالة روحية كئيبة حول أحبار اليهود ورهبان النصارى الذين كانوا يتكالبون على جمع الأموال وكنز الدراهم طامعين في عطايا الفقراء والمساكين مع أنه كان يجدر بهم الإنفاق وتقديم يد العون لهؤلاء الناس (يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلوا أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم) فصاروا بذلك عثرة بدل أن يكونوا بركة انظر سفر إرميا، فصل 23: 1 - 4 وإنجيل متى، فصل 6: 24 - 35.
(٢٣٨)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 233 234 235 236 237 238 239 240 241 242 243 ... » »»
الفهرست
الرقم العنوان الصفحة
1 المقدمة 5
2 آمنة القزوينية - إبراهيم القطيفي - البحراني - الخطي - أحمد الدندن - الصحاف 7
3 أحمد مسكويه 8
4 أحمد آل عصفور - البحراني 19
5 أحمد بن حاجي - الدرازي - الدمستاني - المتنبي 20
6 أحمد القطيفي 32
7 أحمد الغريفي 33
8 أحمد عصفور - الزاهد - الخطي - البحراني 41
9 أحمد البحراني - الزنجي - البلادي - العقيري 42
10 أحمد القطيفي - آل عصفور - الشايب - المصري 43
11 أحمد الصاحب 45
12 أحمد البحراني - الأحوص - إدريس الثاني 46
13 إدريس الأول 49
14 إسماعيل الصفوي 50
15 أم كلثوم القزوينية - أمانت 68
16 أويس الأول - أيوب البحراني - بابر 69
17 باقر الدمستاني - بيرم خان خانان 70
18 جارية بن قدامة السعدي 71
19 جعفر القطاع - البحراني 77
20 جواد علي - جويرية - حبيب بن قرين 78
21 حرز العسكري - حسن عصفور - القطيفي 79
22 الحسن الوزير المهلبي 81
23 حسن الدمستاني 92
24 الحسين النعالي - معتوق - آل عصفور 93
25 حسن الحيدري - البلادي - الحسين ابن خالويه 95
26 حسين الغريفي - البحراني - الماحوزي 98
27 الحسين الطغرائي 99
28 حسين الفوعي - القزويني 104
29 حسين نور الدين - الحسين بن سينا 105
30 حمد البيك 120
31 خلف آل عصفور - الخليل بن أحمد الفراهيدي 134
32 داود البحراني 138
33 درويش الغريفي - رقية الحائرية - رويبة - السائب - الأشعري - سعد صالح 139
34 سعيد حيدر 140
35 سليمان الأصبعي 151
36 شبيب بن عامر - صالح الكرزكاني - صخير 152
37 صدر الدين الصدر - طاشتكين 153
38 عبد الإمام - عبد الجبار - عبد الرؤوف - عبد الرضا - عبد الحسين القمي - ابن رقية 154
39 عبد الرحمان الهمداني - ابن عبيد 155
40 عبد الرحمان النعماني - عبد السلام بن رغبات ديك الجن 156
41 عبد الله الحلبي - عبد علي عصفور 158
42 عبد علي القطيفي - عبد العلي البيرجندي - عبد الغفار نجم الدولة 159
43 عبد الكريم الممتن 160
44 عبد الله المقابي - الحجري - البحراني - الكناني - الأزدي - ابن وال - الأزدي 162
45 عبد الله النهدي - الأحمر - عبد المحسن اللويمي 163
46 عبد النبي الدرازي - عبيد الله بن الحر الجعفي 164
47 عبيدة - عدنان الغريفي 172
48 علي الأحسائي - البحراني - المقابي - جعفر - الدمستاني 173
49 علي الصالحي - ابن الشرقية 174
50 علي بن المؤيد 176
51 علي باليل 183
52 سيف الدولة الحمداني - ابن بابويه 185
53 علي الغريفي 196
54 علي نقي الحيدري - ابن أسباط - الصحاف 201
55 علي الحماني 202
56 علي بن الفرات 211
57 علي التهامي 213
58 عمر بن العديم 218
59 عيسى عصفور - قيس بن عمرو النجاشي 220
60 كريب - مال الله الخطي - ماه شرف 222
61 محسن عصفور - محمد الأسدي 223
62 محمد الكناني 226
63 محمد بن أحمد الفارابي 227
64 محمد البيروني 232
65 محمد الدمستاني - السبعي - الشويكي - الخطي - السبزواري 245
66 محمد النيسابوري - الشريف الرضي محمد بن الحسين 246
67 محمد الكرزكاني - المقابي 281
68 محمد بن أبي جمهور الأحسائي 282
69 محمد البحراني - البرغاني 286
70 محمد تقي الفشندي - آل عصفور - الحجري - الهاشمي 287
71 محمد جواد دبوق - المقابي - البحراني - آل عصفور 297
72 محمد عباس الجزائري 298
73 محمد علي البرغاني 299
74 محمد صالح البرغاني 300
75 محمد قاسم الحسيني - البغلي 305
76 محمد علي الأصفهاني - محمد كاظم التنكابني - محمد محسن الكاشاني 308
77 محمد محسن العاملي - محمد مهدي البصير - محمد النمر 309
78 محمود بن الحسين كشاجم 312
79 مرتضى العلوي - مغامس الحجري - مصطفى جواد 322
80 معتوق الأحسائي 327
81 معد الموسوي - معقل بن قيس الرياحي 328
82 مهدي الحكيم 330
83 مهدي بحر العلوم 330
84 مهدي المازندراني - الحيدري 333
85 منصور كمونة 336
86 مهدي الكلكاوي - محمد طاهر الحيدري - محمد بن مسلم الزهري - خاتون - معمر البغدادي - محسن الجواهري 337
87 ناصر الجارودي - حسين - نصر النحوي - المدائني - القاضي النعمان 338
88 نعمة الله الجزائري - نعيم بن هبيرة 342
89 نوح آل عصفور - نور الدين القطيفي - هبة الله ابن الشجري 343
90 هشام الجواليقي - يحيى الفراء 344
91 يعقوب الكندي 349
92 يوسف بن قزغلي 355
93 ملحق المستدركات - صلاح الدين الأيوبي 356
94 الخراسانية والمتشيعة 361
95 العرب والمأمون ثم البويهيون 364
96 سعد صالح 367
97 صلاح الدين وخلفاؤه - إسماعيل الصفوي 368
98 ابن جبير في جبل عامل 370