مستدركات أعيان الشيعة - حسن الأمين - ج ٢ - الصفحة ١٤٥
كي يثيروا بذلك شعور سائر القوميات المسلمة ضده (1).
هذا التوجه الوحدوي في التعامل مع قوميات العالم الاسلامي يملك دلالات كبرى على امكانات الفكر الاسلامي في أن يمارس تأثيرا إيجابيا وتوحيديا إذا استطاع أن يفلت من فخاخ التوظيف السياسي للأحزاب والعصبيات وشباك السلاطين والملوك والحكومات والدول. ولعل علاقة جمال الدين بالسلطان عبد الحميد تعبر عن المأزق الكامن بين الفكر والسلطة وعن عمق المعاناة عند ما يطمح المفكر أن يكون مرشدا للسياسي لا خادما له. انتهى بحث الدكتور كوثراني.
ونعود بعد هذا إلى التساؤل عن سبب سكوت العرب عن الحكم العثماني:
لماذا سكت العرب؟
إن سكوت العرب على الحكم العثماني طيلة أربعة قرون هو موضع تساؤلات عديدة طرحها الباحثون في مختلف المناسبات، وفي هذا الموضوع نقول:
لماذا سكت العرب طوال أربعة قرون على الحكم التركي الذي تستر باسم العثمانية ليبعد عن نفسه تهمة العنصرية؟.
لما ذا سكت العرب هذا السكوت الطويل ولم يتكلموا إلا قبيل زوال الدولة العثمانية، فتهامسوا أولا، ثم بدأت الأصوات ترتفع قليلا قليلا حتى تحولت إلى الجهر، جهرا لا باللسان بل بالسنان، جهرا يتلظى بنيران البنادق ولهيب المدافع، وأين هذا الجهر المدوي من ذاك الصمت المطبق؟ وكل ما قيل من تعليل ذلك هو إما اتهام للعرب بأنهم استكانوا للأجنبي الفاتح لمجرد كونه مسلما مشاركا لهم في الدين. وإما دفاع هو في حقيقته إقرار لهذا الاتهام.
ونحن نحاول في هذه الكلمات أن نرى أين هي الحقيقة. ولا نزعم أننا جئنا بالقول الفصل، بل نزعم أننا من بعض العرب الذين تجري على أجدادهم هذه الأحكام، وأننا من خلال سير هؤلاء الأجداد رأينا بصيصا من الحقيقة علينا أن نكشف عنه، في السنة 1498 واجهت البلاد العربية خطرا فادحا هو سيطرة الأسطول البرتغالي على المياه العربية وفرضه حصارا على مدخلي البحر الأحمر والخليج، فقال مؤرخ عربي يصف ذلك: وصاروا يقطعون الطريق على المسلمين أسرا ونهبا. وقال مؤرخ آخر: البرتغال... ظهروا في البحر وأوسعوه نهبا وصاروا يأخذون كل سفينة غصبا.
وفي السنة 1500 أحرق البرتغاليون عشر سفن مصرية في الموانئ الهندية. وفي السنة 1502 هاجموا عدن ونهبوا وأحرقوا سفنا عربية في مينائها، وفي السنة التالية وصلوا إلى مدخل البحر الأحمر، ثم بعد سنتين تغلغلوا حتى ميناء جدة. وفي السنة 1506 أحكموا السيطرة على باب المندب ومدخل البحر الأحمر، ثم التفتوا في السنة التالية إلى مداخل الخليج.
وبعد ذلك قاد ألبوكرك قائد الأسطول البرتغالي، حملة إرهاب وعنف وحرق وتخريب على السواحل العربية الجنوبية الشرقية، وأحرق مسقط وشرد سكانها. ثم احتل البرتغاليون ما اختلوه من البلاد.
وإذا كانت الأمور العربية على هذه الحال المفجعة في المشرق، فإنما كانت أسوأ منها في المغرب، إذ تمكنت إيزابيلا ملكة قشطالة من احتلال غرناطة السنة 1492 فأنهت آخر حكم عربي في الأندلس. ثم كان حفيدها شارل ملك إسبانيا يهدد العرب في شمال أفريقيا ويعمل على الحلول محلهم في مياه البحر المتوسط وأصبح في إمكانه أن يهددهم من الشمال وقت كان يضربهم البرتغاليون من الجنوب.
وأخذت المصائب تتوالى فاحتلت قوات أراغون: وهران السنة 1510، وبوجيه السنة 1512، وأجبر زعماء الجزائر على توقيع معاهدة واعترفوا بسيادة أراغون. وكان أسطول أراغون احتل تونس وطرابلس أوائل 1510، واحتل البرتغاليون طنجة. وهدد فرسان القديس يوحنا من رودس وطرابلس ومالطة السفن العربية بمثل ما يهددها به البرتغاليون في المحيط الهندي.
وقد كان ألبوكرك صريحا حين قاد في شباط 1515 أسطولا في اتجاه السواحل العربية وأعلم ملك البرتغال بان هدفه الرئيسي هو الاستيلاء على عدن وجعل مصوع ميناء حربيا ومركزا للأسطول البرتغالي في البحر الأحمر ليتمكن من القضاء على الترك وتخريب مكة.
وفي 26 آب السنة 1516، كان السلطان سليم العثماني يدخل حلب، ثم في التاسع من تشرين الأول يدخل دمشق. ثم يتتابع احتلال العثمانيين بعد ذلك للبلاد العربية بلدا بعد بلد. غير أن العثمانيين لم يستطيعوا الاحتفاظ بأكثر أجزاء الجزيرة، فسيطروا على مكة وجدة، وقامت في وجههم ثورات في اليمن، وكانت سلطتهم اسمية في حضر موت ونجد.
أما في أفريقيا الشمالية فخضعت لهم ليبيا وتونس والجزائر وفشلوا في الاستيلاء على مراكش.
لقد رأينا فيما تقدم أن احتلال السلطان سليم لحلب جاء بعد إعلان البوكرك بأنه عازم على تخريب مكة، وبعد أن تساقطت البلاد العربية في المشرق والمغرب بيد البرتغاليين والإسبان، ولم يكن هؤلاء الفاتحون يكتمون أن حربهم هي حرب صليبية، لذلك لم يكن غريبا أن لا ينظر العرب للعثمانيين نظرة عدائية بحتة.
ومع أن السلطان سليم ومن كان قبله ومن جاء بعده لم يتعرضوا للبرتغاليين ولا دافعوهم عن البلاد العربية، ولم يفعلوا قبل ذلك شيئا لحماية مسلمي الأندلس فقد سلم العرب لهم.
ثم إنه لم يكن هناك حكم تركي مباشر، بل إن البلاد العربية كانت تتمتع بما يمكن أن نسميه بالحكم الذاتي، ولكن لا بمستوى هذا العصر، بل بمستوى ذلك العصر. ومن هنا كان حكام البلاد الحقيقيون هم أهلها، فقد أبقت الدولة في سورية ولبنان على سبع عشرة أسرة حاكمة إقطاعية. وكذلك الحال في العراق، اعترفت الدولة بشيوخ العشائر حكاما على عشائرهم.
أما في ليبيا وتونس والجزائر فلم يكن هناك حكم تركي بالمعنى الصحيح، بل لقد تقلص هذا الحكم في وقت مبكر جدا، وكانت هذه البلاد تتمتع بما هو أوسع من الاستقلال الذاتي. وأما في الحجاز فقد كان الحكم الحقيقي بيد شريف مكة، وأما اليمن فقد كان هو الثائر أبدا، وكان يعيش بين حالين، استقلال تام أو ثورة عارمة.

(1) ورد في: مرتضى مطهري، الإسلام وإيران، ص 51.
(١٤٥)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 140 141 142 143 144 145 146 147 148 149 150 ... » »»
الفهرست
الرقم العنوان الصفحة
1 المقدمة 5
2 آمنة القزوينية - إبراهيم القطيفي - البحراني - الخطي - أحمد الدندن - الصحاف 7
3 أحمد مسكويه 8
4 أحمد آل عصفور - البحراني 19
5 أحمد بن حاجي - الدرازي - الدمستاني - المتنبي 20
6 أحمد القطيفي 32
7 أحمد الغريفي 33
8 أحمد عصفور - الزاهد - الخطي - البحراني 41
9 أحمد البحراني - الزنجي - البلادي - العقيري 42
10 أحمد القطيفي - آل عصفور - الشايب - المصري 43
11 أحمد الصاحب 45
12 أحمد البحراني - الأحوص - إدريس الثاني 46
13 إدريس الأول 49
14 إسماعيل الصفوي 50
15 أم كلثوم القزوينية - أمانت 68
16 أويس الأول - أيوب البحراني - بابر 69
17 باقر الدمستاني - بيرم خان خانان 70
18 جارية بن قدامة السعدي 71
19 جعفر القطاع - البحراني 77
20 جواد علي - جويرية - حبيب بن قرين 78
21 حرز العسكري - حسن عصفور - القطيفي 79
22 الحسن الوزير المهلبي 81
23 حسن الدمستاني 92
24 الحسين النعالي - معتوق - آل عصفور 93
25 حسن الحيدري - البلادي - الحسين ابن خالويه 95
26 حسين الغريفي - البحراني - الماحوزي 98
27 الحسين الطغرائي 99
28 حسين الفوعي - القزويني 104
29 حسين نور الدين - الحسين بن سينا 105
30 حمد البيك 120
31 خلف آل عصفور - الخليل بن أحمد الفراهيدي 134
32 داود البحراني 138
33 درويش الغريفي - رقية الحائرية - رويبة - السائب - الأشعري - سعد صالح 139
34 سعيد حيدر 140
35 سليمان الأصبعي 151
36 شبيب بن عامر - صالح الكرزكاني - صخير 152
37 صدر الدين الصدر - طاشتكين 153
38 عبد الإمام - عبد الجبار - عبد الرؤوف - عبد الرضا - عبد الحسين القمي - ابن رقية 154
39 عبد الرحمان الهمداني - ابن عبيد 155
40 عبد الرحمان النعماني - عبد السلام بن رغبات ديك الجن 156
41 عبد الله الحلبي - عبد علي عصفور 158
42 عبد علي القطيفي - عبد العلي البيرجندي - عبد الغفار نجم الدولة 159
43 عبد الكريم الممتن 160
44 عبد الله المقابي - الحجري - البحراني - الكناني - الأزدي - ابن وال - الأزدي 162
45 عبد الله النهدي - الأحمر - عبد المحسن اللويمي 163
46 عبد النبي الدرازي - عبيد الله بن الحر الجعفي 164
47 عبيدة - عدنان الغريفي 172
48 علي الأحسائي - البحراني - المقابي - جعفر - الدمستاني 173
49 علي الصالحي - ابن الشرقية 174
50 علي بن المؤيد 176
51 علي باليل 183
52 سيف الدولة الحمداني - ابن بابويه 185
53 علي الغريفي 196
54 علي نقي الحيدري - ابن أسباط - الصحاف 201
55 علي الحماني 202
56 علي بن الفرات 211
57 علي التهامي 213
58 عمر بن العديم 218
59 عيسى عصفور - قيس بن عمرو النجاشي 220
60 كريب - مال الله الخطي - ماه شرف 222
61 محسن عصفور - محمد الأسدي 223
62 محمد الكناني 226
63 محمد بن أحمد الفارابي 227
64 محمد البيروني 232
65 محمد الدمستاني - السبعي - الشويكي - الخطي - السبزواري 245
66 محمد النيسابوري - الشريف الرضي محمد بن الحسين 246
67 محمد الكرزكاني - المقابي 281
68 محمد بن أبي جمهور الأحسائي 282
69 محمد البحراني - البرغاني 286
70 محمد تقي الفشندي - آل عصفور - الحجري - الهاشمي 287
71 محمد جواد دبوق - المقابي - البحراني - آل عصفور 297
72 محمد عباس الجزائري 298
73 محمد علي البرغاني 299
74 محمد صالح البرغاني 300
75 محمد قاسم الحسيني - البغلي 305
76 محمد علي الأصفهاني - محمد كاظم التنكابني - محمد محسن الكاشاني 308
77 محمد محسن العاملي - محمد مهدي البصير - محمد النمر 309
78 محمود بن الحسين كشاجم 312
79 مرتضى العلوي - مغامس الحجري - مصطفى جواد 322
80 معتوق الأحسائي 327
81 معد الموسوي - معقل بن قيس الرياحي 328
82 مهدي الحكيم 330
83 مهدي بحر العلوم 330
84 مهدي المازندراني - الحيدري 333
85 منصور كمونة 336
86 مهدي الكلكاوي - محمد طاهر الحيدري - محمد بن مسلم الزهري - خاتون - معمر البغدادي - محسن الجواهري 337
87 ناصر الجارودي - حسين - نصر النحوي - المدائني - القاضي النعمان 338
88 نعمة الله الجزائري - نعيم بن هبيرة 342
89 نوح آل عصفور - نور الدين القطيفي - هبة الله ابن الشجري 343
90 هشام الجواليقي - يحيى الفراء 344
91 يعقوب الكندي 349
92 يوسف بن قزغلي 355
93 ملحق المستدركات - صلاح الدين الأيوبي 356
94 الخراسانية والمتشيعة 361
95 العرب والمأمون ثم البويهيون 364
96 سعد صالح 367
97 صلاح الدين وخلفاؤه - إسماعيل الصفوي 368
98 ابن جبير في جبل عامل 370