مستدركات أعيان الشيعة - حسن الأمين - ج ٢ - الصفحة ٢٩
اسمه قوم... اسمه عرب.
على أن الدقة العلمية تقتضينا أن نحتاط كثيرا في وصف هذا الشعور وتحديده، وتفرض علينا الحذر في إخراجه، وفي الحجم الذي ينبغي أن يخرج فيه.
والتأمل في الشعور المذكور، المنطوي وراء تلك النبرة يؤدي بنا إلى الحكم بأنه شعور غامض، بعيد عن البلورة. وأبياته التي يقول بها: لا بقومي شرفت بل شرفوا بي تدل على أنه لا يزال يفهم من كلمة القوم معنى القبيلة:
لا بقومي شرفت بل شرفوا بي * وبنفسي فخرت لا بجدودي وبهم فخر كل من نطق الضاد، * وعوذ الجاني وغوث الطريد والنطق بالضاد شئ مقصور على العرب كما هو معروف فإذا كان جميع الناطقين بالضاد: أي كل عربي على وجه الأرض يفخر بقوم المتنبي قومه خاصة. فما ذا يكون عندئذ تفسيره لكلمة القوم، وماذا يكون قصده منها؟ وهل يعني غير القبيلة؟ ولكن موقفه أمام انتصار سيف الدولة على بني كلاب يطل بنا على شعور عربي أوسع من الشعور القبلي:
ترفق أيها المولى عليهم * فان الرفق بالجاني عتاب وعين المخطئين هم وليسوا * بأول معشر خطئوا فتابوا فان المطالبة بالرفق منبثق عن عاطفة عربية، أو قد يكون على الأقل منبثقا عن شعور عربي. وربما يتأكد ذلك إذا عرفنا أن بني كلاب ينتمون لقيس، وبني حمدان يرجعون لتغلب، وبين قيس وتغلب ضغائن قديمة، وأحقاد عميقة، وبرغم ذلك يرجو الرفق بهم، ويسمي الرفق عتابا.
واختيار لفظة العتاب في هذا المكان إذا صح أنها عتاب لا عقاب تشير إلى عطف عميق. وكأنه يريد أن يقول إنهم لا يستحقون على جنايتهم أكثر من عتاب والعتاب يكون للصديق عادة إذا أخطأ وإن استعملها بشار في غير ذلك:
إذا الملك الجبار صعر خده * مشينا إليه بالسيوف نعاتبه ولكن هذا الاستعمال قائم على التصرف بالكلمة، والتطوير لها، وإن كان هذا التصرف في منتهى الجمال الفني.
ومهما يكن فاللفظة فيها حنان، وفيها حب، وفيها إحساس جميل نحو الناس الذين نشير إليهم، وإذا لم يكن هذا الاحساس منبعثا عن عاطفة قومية فمن الصعب أن نجد له تعليلا آخر.
وإذا قارنا هذا الموقف بموقف آخر مشابه له من حيث الانتصار، مخالف له من حيث الجناة وجدناه يختلف اختلافا كبيرا. ونستطيع أن نأخذ مثلا على ذلك معظم القصائد التي قيلت بعد انتصار سيف الدولة على البيزنطيين، فان الشاعر لا يطلب فيها رفقا بالمهزومين، ولا شفقة عليهم، ولا عطفا.
وسيف الدولة فيها لم يكن ملكا يهزم ملكا، وإنما كان التوحيد يصارع الشرك ومعنى ذلك أن سيف الدولة هنا مبدأ يصارع مبدأ، وعقيدة تصارع عقيدة.
ولست مليكا هازما لنظيره * ولكنك التوحيد للشرك هازم تشرف عدنان به لا ربيعة * وتفتخر الدنيا به لا العواصم فهذه النظرة المختلفة إلى الجناة على اشتراكهم في الجناية والجناية بذاتها لا تتجزأ تشير على أقل افتراض إلى عاطفة تختلج بحب الجناة إذا كانوا عربا، وتتجرد منها إذا لم يكونوا كذلك. والعاطفة نحو القوم بداية شعور إنساني... بداية انطلاق من الذات، وانفلات من الأنانية.
وإذا قيل: إن هذه النظرة بدوية أكثر منها قومية، لأن البدوي لا يخرج عن هذه القاعدة في نظرته إلى قبيلته. ومن هنا قيل:
وهل أنا إلا من غزية: إن غوت * غويت، وإن ترشد غزية أرشد فهذا القول صحيح لو كان المتنبي من بني كلاب، وكانت القبلية هي التي تربطه بهم. ولكن المعروف أنه من جعفى الهابطة من سعد العشيرة، بينما تهبط كلاب من عامر بن صعصعة الهابطة بدورها من هوازن وليس بينها هذه القرابة. ومن هنا يمكن أن يعد عطفه على بني كلاب نوعا من القومية.
والقومية كما قلنا بداية شعور إنساني. ولا شك أن المتنبي يمتلك هذا الشعور. وإذا بدا في بعض الأحيان ضعيفا، فإنه يبدو في أحيان أخرى قويا بالغ القوة. وإذا قرأت قوله:
ومراد النفوس أهون من أن * نتعادى فيه وأن نتفانى لمست هذا الشعور، ولمست مدى عمقه وقوته. فالإرادة هي مصدر الشقاء، ومنها تنبع العداوة في الحياة، ولكن الإرادة أهون من أن تبعث على العداوة، والروابط الإنسانية ينبغي أن تكون فوق الإرادة ورغباتها.
والمتنبي بهذه النظرة يسبق شوبنهور الذي تتلخص فلسفته في أن الحياة إرادة. يسبقه في نظرته أو نظريته ويفوقه في وصف العلاج. فشوبنهور يرى أن في كل إنسان حوضا من الألم لا محيص له عنه، وهو حوض يستحيل أن يظل فارغا كما أنه لا يمكن أن يسع أكثر مما يملؤه. فإذا ما أزيح عن صدورنا عناء جسيم مضن حل مكانه عناء آخر. ولقد كانت مادة هذا العناء موجودة فعلا، ولكن منعها أن تجد سبيلها. إلى الشعور بها إن لم يكن هنالك من القوى ما يتفرع لها... أما الآن فإنها تندفع وتتبوأ مكانها.
إن طبيعة الجهاد تبدو لنا في كل ما تبدو فيه من صور كأنما هي مقصودة ومدبرة بحيث تدعونا إلى العقيدة بان ليس فيها البتة ما هو جدير منا بالجهاد، وما طيبات الحياة كلها إلا عبث، والعالم في كل ما يقصد إليه فاشل، فهو كالعمل الذي لا يغطي مصاريفه.
وإذا كانت طيبات الحياة كلها عبثا فقد أصبح بلوغها كالحسنة التي تقذف بها إلى الفقير فتحفظ حياته اليوم لكي يمتد شقاؤه إلى الغد... إنه ما دام إدراكنا مغمورا بإرادتنا، وما دمنا خاضعين لمزدحم الرغبات بآمالها ومخاوفها التي لا تنقطع... ما دمنا مدفوعين لإرادة هذا الشئ أو ذاك فيستحيل أن نحيا في سعادة كاملة أو في سلام دائم.
وما هي الإرادة التي تقودنا إلى هذا الظلام المخيف الذي يطفئ جميع المصابيح ولا يبقي حتى على البصيص؟ يجيب شوبنهور: هي العنصر الوحيد الدائم الثابت... جميع الأديان تبشر بالجزاء لحسنات الإرادة أو القلب، ولكنها لا تعد نبوع العقل والفهم شيئا.
(٢٩)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 ... » »»
الفهرست
الرقم العنوان الصفحة
1 المقدمة 5
2 آمنة القزوينية - إبراهيم القطيفي - البحراني - الخطي - أحمد الدندن - الصحاف 7
3 أحمد مسكويه 8
4 أحمد آل عصفور - البحراني 19
5 أحمد بن حاجي - الدرازي - الدمستاني - المتنبي 20
6 أحمد القطيفي 32
7 أحمد الغريفي 33
8 أحمد عصفور - الزاهد - الخطي - البحراني 41
9 أحمد البحراني - الزنجي - البلادي - العقيري 42
10 أحمد القطيفي - آل عصفور - الشايب - المصري 43
11 أحمد الصاحب 45
12 أحمد البحراني - الأحوص - إدريس الثاني 46
13 إدريس الأول 49
14 إسماعيل الصفوي 50
15 أم كلثوم القزوينية - أمانت 68
16 أويس الأول - أيوب البحراني - بابر 69
17 باقر الدمستاني - بيرم خان خانان 70
18 جارية بن قدامة السعدي 71
19 جعفر القطاع - البحراني 77
20 جواد علي - جويرية - حبيب بن قرين 78
21 حرز العسكري - حسن عصفور - القطيفي 79
22 الحسن الوزير المهلبي 81
23 حسن الدمستاني 92
24 الحسين النعالي - معتوق - آل عصفور 93
25 حسن الحيدري - البلادي - الحسين ابن خالويه 95
26 حسين الغريفي - البحراني - الماحوزي 98
27 الحسين الطغرائي 99
28 حسين الفوعي - القزويني 104
29 حسين نور الدين - الحسين بن سينا 105
30 حمد البيك 120
31 خلف آل عصفور - الخليل بن أحمد الفراهيدي 134
32 داود البحراني 138
33 درويش الغريفي - رقية الحائرية - رويبة - السائب - الأشعري - سعد صالح 139
34 سعيد حيدر 140
35 سليمان الأصبعي 151
36 شبيب بن عامر - صالح الكرزكاني - صخير 152
37 صدر الدين الصدر - طاشتكين 153
38 عبد الإمام - عبد الجبار - عبد الرؤوف - عبد الرضا - عبد الحسين القمي - ابن رقية 154
39 عبد الرحمان الهمداني - ابن عبيد 155
40 عبد الرحمان النعماني - عبد السلام بن رغبات ديك الجن 156
41 عبد الله الحلبي - عبد علي عصفور 158
42 عبد علي القطيفي - عبد العلي البيرجندي - عبد الغفار نجم الدولة 159
43 عبد الكريم الممتن 160
44 عبد الله المقابي - الحجري - البحراني - الكناني - الأزدي - ابن وال - الأزدي 162
45 عبد الله النهدي - الأحمر - عبد المحسن اللويمي 163
46 عبد النبي الدرازي - عبيد الله بن الحر الجعفي 164
47 عبيدة - عدنان الغريفي 172
48 علي الأحسائي - البحراني - المقابي - جعفر - الدمستاني 173
49 علي الصالحي - ابن الشرقية 174
50 علي بن المؤيد 176
51 علي باليل 183
52 سيف الدولة الحمداني - ابن بابويه 185
53 علي الغريفي 196
54 علي نقي الحيدري - ابن أسباط - الصحاف 201
55 علي الحماني 202
56 علي بن الفرات 211
57 علي التهامي 213
58 عمر بن العديم 218
59 عيسى عصفور - قيس بن عمرو النجاشي 220
60 كريب - مال الله الخطي - ماه شرف 222
61 محسن عصفور - محمد الأسدي 223
62 محمد الكناني 226
63 محمد بن أحمد الفارابي 227
64 محمد البيروني 232
65 محمد الدمستاني - السبعي - الشويكي - الخطي - السبزواري 245
66 محمد النيسابوري - الشريف الرضي محمد بن الحسين 246
67 محمد الكرزكاني - المقابي 281
68 محمد بن أبي جمهور الأحسائي 282
69 محمد البحراني - البرغاني 286
70 محمد تقي الفشندي - آل عصفور - الحجري - الهاشمي 287
71 محمد جواد دبوق - المقابي - البحراني - آل عصفور 297
72 محمد عباس الجزائري 298
73 محمد علي البرغاني 299
74 محمد صالح البرغاني 300
75 محمد قاسم الحسيني - البغلي 305
76 محمد علي الأصفهاني - محمد كاظم التنكابني - محمد محسن الكاشاني 308
77 محمد محسن العاملي - محمد مهدي البصير - محمد النمر 309
78 محمود بن الحسين كشاجم 312
79 مرتضى العلوي - مغامس الحجري - مصطفى جواد 322
80 معتوق الأحسائي 327
81 معد الموسوي - معقل بن قيس الرياحي 328
82 مهدي الحكيم 330
83 مهدي بحر العلوم 330
84 مهدي المازندراني - الحيدري 333
85 منصور كمونة 336
86 مهدي الكلكاوي - محمد طاهر الحيدري - محمد بن مسلم الزهري - خاتون - معمر البغدادي - محسن الجواهري 337
87 ناصر الجارودي - حسين - نصر النحوي - المدائني - القاضي النعمان 338
88 نعمة الله الجزائري - نعيم بن هبيرة 342
89 نوح آل عصفور - نور الدين القطيفي - هبة الله ابن الشجري 343
90 هشام الجواليقي - يحيى الفراء 344
91 يعقوب الكندي 349
92 يوسف بن قزغلي 355
93 ملحق المستدركات - صلاح الدين الأيوبي 356
94 الخراسانية والمتشيعة 361
95 العرب والمأمون ثم البويهيون 364
96 سعد صالح 367
97 صلاح الدين وخلفاؤه - إسماعيل الصفوي 368
98 ابن جبير في جبل عامل 370