مستدركات أعيان الشيعة - حسن الأمين - ج ٢ - الصفحة ٣٥٠
لا يقبل أرسطاطاليس أن يكون هذا المحرك الأبدي الأول متكثرا، بل إنه واحد وعلة لما عداه من المتحركات الأخرى. يختلف هذا المحرك عن الموجودات التي تتكون من الاحجام والاجزاء والاعظام، أنه، وهو يتصف بالوحدة، ويعتبر مبدأ جميع الأشياء علة الوجود والعدم والتغير في الكائنات، ولكن من غير أن ينعت باي من هذه في وجه من الوجوه. وحينما يرى أرسطاطاليس أن الأشياء المتغيرة لا يمكن أن تكون علة حقيقية للحركة، فإنه يفرق، وفي أصالة، بين حركات الاجرام العليا، التي تتحرك بواسطة محرك أزلي لا يتحرك، وإن تغيرها يكون أزليا كذلك، وحركات الأشياء الطبيعية السفلى التي تتحرك عن طريق شئ متغير متبدل، وإنها تكون بذاتها متغيرة كذلك. ولكن هذا المحرك القديم، الذي يطلق عليه الكندي لفظة الله، والذي يقبل أن يكون عنده علة الأشياء جميعها بتوسط وبغير توسط، هو عند أرسطاطاليس أبدي بسيط، إنه، وباستمرار، في حالة واحدة لا تتبدل، أنه يحرك حركة واحدة وبسيطة.
إن الله الأبدي، والذي هو العلة الأولى، لا يقبل أن يوصف عند الكندي بالعدم، أنه لا موضوع له، ولا محمول، ولا فاعل ولا سبب.
يبرهن الكندي هنا، وكما يفعل الغزالي وابن سينا، على أن الله الأزلي لا تحده التعريفات المنطقية، يعني أنه لا جنس له، لأنه إن كان له جنس فهو نوع، والنوع مركب من جنسه العام له ولغيره ومن فصل ليس في غيره، فله موضوع هو الجنس القابل لصورته وصورة غيره، ومحمول هو الصورة الخاصة له دون غيره، فله موضوع ومحمول.
ولكن قد ظهر أن الله الأبدي ليس له عند الكندي موضوع ولا محمول ولا جنس... أن الله عند الكندي، وهو الذي أوجد العالم المحدث، تام وكامل وموجود، لا يقبل التبدل والفساد والانتقال من النقص إلى التمام، لأن الانتقال استحالة ما، أنه لا يمكن أن يكون ناقصا فيصير إلى حال يكون بها فاضلا وكاملا، إنه لا يمكن أن يستحيل إلى أفضل منه ولا إلى انقص منه بتة، إن الله الأبدي، وكما يبرهن أرسطاطاليس في طبيعة المحرك الأول الذي لا يقبل الامتداد، لا جنس له عند الكندي، لا يمكن أن يكون جرما ذا كمية أو كيفية، لأنه سيتصف بحدود الزمان والمكان والتناهي، والله الذي خلق العالم وأمسكه وأبدعه، هو الفاعل، الحق الأول، الأزلي، إنه يعلو على كل ما يتصوره عقل الإنسان...
يحاول ان يربط الكندي في كثير من رسائله، وفي أصالة ظاهرة بين الحركة والجرم والزمان، ويدعم بهذا الربط نظريته في تناهي وحدوث العالم.
إذا قال الكندي في بادئ الأمر أن الزمان مدة تعدها الحركة، وإنه إذا لم تكن حركة لم يكن زمان، فإنه يوحد بينها حينما يقول: إن كان زمان فحركة، وإن كانت حركة فجرم. أن الحركة ملازمة للجرم بوجه عام، وإن الجرم في زمان حي كم متصل. أن الحركة والجرم والزمان لا يسبق بعضها بعضا في الآنية، انها، وتختلف في هذا عن الذات الإلهية، ذات بداية ونهاية. والجرم، كالزمان موجود معناه، أنه يقبل الكون والفساد، وأنه، من حيث أنه شئ حادث، لا يمكن أن يكون لا نهاية له بالفعل.
ويرى الكندي، في نظريته عن الله والعالم، أن الحركة موجودة ما دام هنالك جرم، وقد قيل أن الحركة لا تكون، إذا كان الجرم موجودا، وهذا محال حسب رأيه، لأنه إذا كان هنالك جرم كانت حركة اضطرارا، إذا افترض وجود الجرم بدون الحركة، فاما ألا تكون حركة بته، وأما أن تقبل ألا تكون في وقت ما، وأن تكون في آخر، يعني الكندي أن تقبل هذه الحركة حالتي الوجود والعدم. ومن الطبيعي أنه إذا كانت الحركة ليست موجودة، وإن الجرم موجود، فسيحدث تناقض واضح حسب مذهب الكندي العام، لأننا عرفنا أن الحركة والجرم والزمان عنده لا يسبق بعضها بعضا في الآنية فهي معا.
ولنتفهم رأي الكندي في عدم قبول انتساب اللاتناهي إلى الجرم والعالم، لا بد لنا أن نناقش، وفي اقتضاب، آراء أرسطاطاليس في هذا السبيل تلك الآراء التي ستوضح لنا طبيعة ادراك التناهي واللاتناهي بوجه عام. يقول أرسطاطاليس في الكتاب الثالث من الطبيعيات: أن الفيثاغوريين وأفلاطون قد اعتبروا اللامتناهي جوهرا وشيئا قائما بذاته، وأن تصور العناصر الأربعة في الفلسفتين الأيونية والطبيعية قد أشار إلى وجود هذا اللامتناهي، وهو مبدأ لا يقبل الفناء، عن متصل ملموس.
لا ينكر أرسطاطاليس أننا سنكون أمام صعوبات جمة حينما نحاول امتحان نظرية اللامتناهي. يظهر أرسطو هنا أمام نظرتين قد لا تبدو ان متعارضتين إلى حد كبير، نظرة أوحت بها إليه دراساته الطبيعية التي تعتبر الجسم المكاني متناهيا، ونظرة ثانية أسعفته بها الدراسات المتقدمة عليه حينما اعتبر مادة العالم القديمة أزلية غير محدودة. أن الكندي لم يقف كثيرا أمام هذه الناحية كما سيفعل ابن رشد فيما بعد، أنه لم يفكر في المشاكل الذهنية البعيدة المدى، تلك المشاكل التي قد تعترض الباحث حينما يتصور فكرة اللامتناهي عند الأقدمين، وفكرة الحدوث أو التناهي عند المسلمين. وإذا لم تستوقف الكندي هذه النظرة العويصة بعض الوقت، فان أستاذه أرسطاطاليس قد أخذ يتساءل عن طبيعة هذا اللامتناهي: هل هو جوهر، أم هو محمول ذاتي على طبيعة ما، أم هو لا هذا ولا ذاك؟ لا يمكن أن يوجد اللامتناهي بالفعل... تلك هي حكمة قال بها أرسطاطاليس حينما نظر إلى الجسم المحسوس المحدود، وأكدها عن طيب خاطر تلميذه الكندي، لا يتصور أرسطاطاليس أن يوجد اللامتناهي بالفعل كجوهر، أو كمبدأ، أو كقدر أو كعدد، لأنه سيقبل إذن القسمة والتجزئة والتناهي والزيادة والنقصان. أن الجسم المحسوس الذي يتكون من عناصر متناهية العدد، والذي يوجد بطبيعته في مكان ما لا يقبل أن ينتسب إليه كما يقول أرسطاطاليس، وكما يتضح هذا بجلاء عند تلميذه الكندي، فكرة اللاتناهي بآية حال من الأحوال.
ولكن إذا حاول أرسطاطاليس أن ينكر فكرة انتساب اللاتناهي إلى الجسم المحسوس الموجود في المكان، فإنه قد يقبل وجود جوهر اللامتناهي بوجه ما. لأننا إذا أنكرنا، وكما تقول نصوص الطبيعيات فكرة اللامتناهي انكارا مطلقا وأبديا، فستكون إذن للزمان ولهذا العالم بداية ونهاية. وكانا بأرسطاطاليس يعبر عن هذا في أسلوب شعري جميل، وذلك حينما يقول:
ويتحقق اللامتناهي من أن كل شئ يبدو في الوجود من جديد، من أن كل محدود لا بد له أن يظهر في وضع مباين ومغاير. أن يتصور الحركة والزمان اللامتناهيين لا يفهم الا في عالم الامتثال، هذا الذي يجعلنا نظن الأشياء دائما
(٣٥٠)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 345 346 347 348 349 350 351 352 353 354 355 ... » »»
الفهرست
الرقم العنوان الصفحة
1 المقدمة 5
2 آمنة القزوينية - إبراهيم القطيفي - البحراني - الخطي - أحمد الدندن - الصحاف 7
3 أحمد مسكويه 8
4 أحمد آل عصفور - البحراني 19
5 أحمد بن حاجي - الدرازي - الدمستاني - المتنبي 20
6 أحمد القطيفي 32
7 أحمد الغريفي 33
8 أحمد عصفور - الزاهد - الخطي - البحراني 41
9 أحمد البحراني - الزنجي - البلادي - العقيري 42
10 أحمد القطيفي - آل عصفور - الشايب - المصري 43
11 أحمد الصاحب 45
12 أحمد البحراني - الأحوص - إدريس الثاني 46
13 إدريس الأول 49
14 إسماعيل الصفوي 50
15 أم كلثوم القزوينية - أمانت 68
16 أويس الأول - أيوب البحراني - بابر 69
17 باقر الدمستاني - بيرم خان خانان 70
18 جارية بن قدامة السعدي 71
19 جعفر القطاع - البحراني 77
20 جواد علي - جويرية - حبيب بن قرين 78
21 حرز العسكري - حسن عصفور - القطيفي 79
22 الحسن الوزير المهلبي 81
23 حسن الدمستاني 92
24 الحسين النعالي - معتوق - آل عصفور 93
25 حسن الحيدري - البلادي - الحسين ابن خالويه 95
26 حسين الغريفي - البحراني - الماحوزي 98
27 الحسين الطغرائي 99
28 حسين الفوعي - القزويني 104
29 حسين نور الدين - الحسين بن سينا 105
30 حمد البيك 120
31 خلف آل عصفور - الخليل بن أحمد الفراهيدي 134
32 داود البحراني 138
33 درويش الغريفي - رقية الحائرية - رويبة - السائب - الأشعري - سعد صالح 139
34 سعيد حيدر 140
35 سليمان الأصبعي 151
36 شبيب بن عامر - صالح الكرزكاني - صخير 152
37 صدر الدين الصدر - طاشتكين 153
38 عبد الإمام - عبد الجبار - عبد الرؤوف - عبد الرضا - عبد الحسين القمي - ابن رقية 154
39 عبد الرحمان الهمداني - ابن عبيد 155
40 عبد الرحمان النعماني - عبد السلام بن رغبات ديك الجن 156
41 عبد الله الحلبي - عبد علي عصفور 158
42 عبد علي القطيفي - عبد العلي البيرجندي - عبد الغفار نجم الدولة 159
43 عبد الكريم الممتن 160
44 عبد الله المقابي - الحجري - البحراني - الكناني - الأزدي - ابن وال - الأزدي 162
45 عبد الله النهدي - الأحمر - عبد المحسن اللويمي 163
46 عبد النبي الدرازي - عبيد الله بن الحر الجعفي 164
47 عبيدة - عدنان الغريفي 172
48 علي الأحسائي - البحراني - المقابي - جعفر - الدمستاني 173
49 علي الصالحي - ابن الشرقية 174
50 علي بن المؤيد 176
51 علي باليل 183
52 سيف الدولة الحمداني - ابن بابويه 185
53 علي الغريفي 196
54 علي نقي الحيدري - ابن أسباط - الصحاف 201
55 علي الحماني 202
56 علي بن الفرات 211
57 علي التهامي 213
58 عمر بن العديم 218
59 عيسى عصفور - قيس بن عمرو النجاشي 220
60 كريب - مال الله الخطي - ماه شرف 222
61 محسن عصفور - محمد الأسدي 223
62 محمد الكناني 226
63 محمد بن أحمد الفارابي 227
64 محمد البيروني 232
65 محمد الدمستاني - السبعي - الشويكي - الخطي - السبزواري 245
66 محمد النيسابوري - الشريف الرضي محمد بن الحسين 246
67 محمد الكرزكاني - المقابي 281
68 محمد بن أبي جمهور الأحسائي 282
69 محمد البحراني - البرغاني 286
70 محمد تقي الفشندي - آل عصفور - الحجري - الهاشمي 287
71 محمد جواد دبوق - المقابي - البحراني - آل عصفور 297
72 محمد عباس الجزائري 298
73 محمد علي البرغاني 299
74 محمد صالح البرغاني 300
75 محمد قاسم الحسيني - البغلي 305
76 محمد علي الأصفهاني - محمد كاظم التنكابني - محمد محسن الكاشاني 308
77 محمد محسن العاملي - محمد مهدي البصير - محمد النمر 309
78 محمود بن الحسين كشاجم 312
79 مرتضى العلوي - مغامس الحجري - مصطفى جواد 322
80 معتوق الأحسائي 327
81 معد الموسوي - معقل بن قيس الرياحي 328
82 مهدي الحكيم 330
83 مهدي بحر العلوم 330
84 مهدي المازندراني - الحيدري 333
85 منصور كمونة 336
86 مهدي الكلكاوي - محمد طاهر الحيدري - محمد بن مسلم الزهري - خاتون - معمر البغدادي - محسن الجواهري 337
87 ناصر الجارودي - حسين - نصر النحوي - المدائني - القاضي النعمان 338
88 نعمة الله الجزائري - نعيم بن هبيرة 342
89 نوح آل عصفور - نور الدين القطيفي - هبة الله ابن الشجري 343
90 هشام الجواليقي - يحيى الفراء 344
91 يعقوب الكندي 349
92 يوسف بن قزغلي 355
93 ملحق المستدركات - صلاح الدين الأيوبي 356
94 الخراسانية والمتشيعة 361
95 العرب والمأمون ثم البويهيون 364
96 سعد صالح 367
97 صلاح الدين وخلفاؤه - إسماعيل الصفوي 368
98 ابن جبير في جبل عامل 370