شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق (ص) - الشيخ يوسف بن اسماعيل النبهاني - الصفحة ١٤٨
لا يجوز التوسل والاستغاثة والاستشفاع بأصحاب الخصوصيات منهم الأنبياء والأولياء بعد مماتهم كما جاز قبل ذلك في حياتهم وبعد ذلك يوم القيامة، والله تعالى في جميع المواطن الثلاثة هو الله تعالى وحده لا شريك له وهم خواص عبيده الذين جاز التوسل بهم إليه تعالى من قبل ومن بعد فلم لا يجوز في البين، وتعظيمهم لأجله هو في الحقيقة راجع إليه تعالى، ولا وجه لذم من فعله والاعتراض عليه وأي محذور في ذلك كما زعموه ونحن من أول الإسلام إلى الآن لم نسمع بأحد من المسلمين اعتقد الألوهية في واحد من الأنبياء والصالحين بعد موتهم بل الذين ضل بهم بعض الناس منهم واعتقدوا فيهم الألوهية كسيدنا عيسى عليه السلام من أنبياء الله وسيدنا علي رضي الله عنه من أوليائه تعالى. إنما ضلوا بهم في حياتهم لما شاهدوه منهم من خوارق العادات واستمر بهم ذلك الضلال إلى ما بعد، فأصل ضلالهم لم يقع منهم من زيارتهم للقبور واستغاثتهم بهم بل وقع في حياتهم كما علمت، والمخالفون لا يمنعون الاستغاثة بالأنبياء والأولياء والسفر لزيارتهم في حياتهم، فظهر أن المحذور الذي ذكروه لا يعول عليه ولا يلتفت إليه، وأن زعمهم الفرق بين الحياة والممات ويوم القيامة هو في غير محله، إذ هذا الفرق إنما هو بحسب ما عندهم. وأما الله تعالى الذي اختص خواص عبيده بما اختصهم به من الأوصاف الجميلة التي أجلها صدق عبوديتهم وحسن عبادتهم له تعالى فلا فرق عنده بين هذه المواطن الثلاثة قد استوى عنده عز وجل رضاه عنهم ومحبته إياهم في حياتهم ومماتهم ويوم القيامة مع أن صفاء أرواحهم الطاهرة بعد الممات لا ينكره إلا جاهل أو مكابر.
واعلم أن جميع المسلمين على علم يقيني بأن الله تعالى هو السيد المطلق للخلائق أجمعين وكلهم عبيده، قد اشترك في وصف العبودية له عز وجل أتقاهم وأشقاهم، ولكنهم فيها درجات، فأشدهم عبودية له تعالى الأنبياء والملائكة لأن معرفتهم بعظمته وجلاله أشد من معرفة من هو دونهم، وهم أيضا درجات أعظمهم درجة وأعلاهم في العبودية رتبة سيدنا محمد سيد عبيد الله وأحبهم إليه وأفضلهم من كل الوجوه لديه، وتلي رتبته صلى الله عليه وسلم في العبودية رتب الأنبياء ورؤساء الملائكة ثم عوامهم وأولياء الموحدين، ثم سائر المؤمنين بحسب درجاتهم في التقوى ومعرفة الله تعالى; وأدنى الناس في مراتب العبودية الكفار الذين أشركوا بالله تعالى فلم يخلصوا عبوديتهم له بل زعموا أنهم عبيد غيره سبحانه وتعالى، وإن كان لسان حالهم يكذبهم كعباد الأصنام وعباد المسيح عليه السلام.
إذا علمت ذلك تعلم أن قلة الشرف للخلق وزيادته بحسب قلة وصف العبودية فيهم
(١٤٨)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 143 144 145 146 147 148 149 150 151 152 153 ... » »»