تفسير الميزان - السيد الطباطبائي - ج ٩ - الصفحة ١١٧
الدائرة فضاق عليهم المسلك في أمثال التفدية بالنفس لأجل تمتع الغير بلذائذ المادة.
وبالجملة فاعداد القوة إنما هو لغرض الدفاع عن حقوق المجتمع الاسلامي ومنافعه الحيوية، والتظاهر بالقوة المعدة ينتج إرهاب العدو، وهو أيضا من شعب الدفع ونوع معه، فقوله تعالى: (ترهبون به عدو الله) الخ يذكر فائدة من فوائد الاعداد الراجعة إلى افراد المجتمع، وقوله: (وما تنفقوا من شئ في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون) يذكر ان ما أنفقوه في سبيله لا يبطل ولا يفوت بل يرجع إليهم من غير أن يفوت عن ذي حق حقه.
وهذا أعني قوله: (وما تنفقوا من شئ في سبيل الله) الخ أعم فائدة من مثل قوله: (وما تنفقوا من خير يوف إليكم) البقرة: 272 فإن الخير منصرف إلى المال فلا يشمل النفس بخلاف قوله ههنا: (وما تنفقوا من شئ). قوله تعالى: (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم) في المجمع: الجنوح الميل، ومنه جناح الطائر لأنه يميل به في أحد شقيه، ولا جناح عليه أي لا ميل إلى مأثم. انتهى 7 والسلم بفتح السين وكسرها الصلح.
وقوله: (وتوكل على الله) من تتمة الامر بالجنوح فالجميع في معنى أمر واحد، والمعنى: وإن مالوا إلى الصلح والمسالمة فمل إليها وتوكل في ذلك على الله ولا تخف من أن يضطهدك أسباب خفية عنك على غفلة منك وعدم تهيؤ لها فإن الله هو السميع العليم لا يغفله سبب ولا يعجزه مكر بل ينصرك ويكفيك وهذا هو الذي يثبته قوله في الآية التالية (وإن يريدوا ان يخدعوك فإن حسبك الله).
وقد تقدم فيما أسلفناه من معنى التوكل على الله انه ليس اعتمادا عليه سبحانه بإلغاء الأسباب الظاهرية بل سلب الاعتماد القطعي على الأسباب الظاهرية لان الذي يبدو للانسان منها بعض يسير منها دون جميعها، والسبب التام الذي لا يتخلف عن مسببه هو الجميع الذي يحمل إرادته سبحانه.
فالتوكل هو توجيه الثقة والاعتماد إلى الله سبحانه الذي بمشيته يدور رحى الأسباب عامة، ولا ينافيه ان يتوسل المتوكل بما يمكنه التوسل به من الأسباب اللائحة عليه من غير أن يلغى شيئا منها فيركب مطية الجهل.
(١١٧)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 122 ... » »»
الفهرست