تفسير الميزان - السيد الطباطبائي - ج ٩ - الصفحة ١٢٢
والكلام على أي حال مسوق للتحريض على القتال على ما يفيده السياق والقرائن الخارجة فان تأثير المؤمنين في كفايتهم له صلى الله عليه وآله وسلم إنما هو في القتال على ما يسبق إلى الذهن.
وذكر بعضهم: ان الآية نزلت بالبيداء قبل غزوة بدر، وعلى هذا لا اتصال لها بما بعدها، وأما اتصالها بما قبلها فغير مقطوع به.
قوله تعالى: (يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال) إلى آخر الآية.
التحريض والتحضيض والترغيب والحض والحث بمعنى والفقه أبلغ وأغزر من الفهم، وقوله: (إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين) أي من الذين كفروا كما قيد به الألف بعدا، وكذلك قوله: (وإن يكن منكم مائة) أي مائة صابرة كما قيد بها (عشرون) قبلا.
وقوله: (بأنهم قوم لا يفقهون) الباء للسببية أو الآلة، والجملة تعليلية متعلقة بقوله: (يغلبوا) أي عشرون صابرون منكم يغلبون مائتين من الذين كفروا، ومائة صابرة منكم يغلبون ألفا من الذين كفروا كل ذلك بسبب ان الكفار قوم لا يفقهون.
وفقدان الفقه في الكفار وبالمقابلة ثبوته في المؤمنين هو الذي أوجب ان يعدل الواحد من العشرين من المؤمنين أكثر من العشرة من المائتين من الذين كفروا حتى يغلب العشرون من هؤلاء المائتين من أولئك على ما بنى عليه الحكم في الآية فان المؤمنين انما يقدمون فيما يقدمون عن ايمان بالله وهو القوة التي لا يعادله ولا يقاومه أي قوة أخرى لابتنائه على الفقه الصحيح الذي يوصفهم بكل سجية نفسانية فاضلة كالشجاعة والشهامة والجرأة والاستقامة والوقار والطمأنينة والثقة بالله واليقين بأنه على إحدى الحسنيين ان قتل ففي الجنة وإن قتل ففي الجنة، وأن الموت بالمعنى الذي يراه الكفار وهو الفناء لا مصداق له.
وأما الكفار فإنما اتكاؤهم على هوى النفس، واعتمادهم على ظاهر ما يسوله لهم الشيطان، والنفوس المعتمدة على أهوائها لا تتفق للغاية وإن اتفقت أحيانا فإنما تدوم عليه ما لم يلح لائح الموت الذي تراه فناء، وما اندر ما تثبت النفس على هواها حتى حال ما تهدد بالموت وهى على استقامة من الفكر بل تميل بأدنى ريح مخالف، وخاصة في المخاوف العامة والمهاول الشاملة كما أثبته التاريخ من انهزام المشركين يوم بدر وهم
(١٢٢)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 117 118 119 120 121 122 123 124 125 126 127 ... » »»
الفهرست