شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق (ص) - الشيخ يوسف بن اسماعيل النبهاني - الصفحة ١٦٨
مشتملة على التوسل ولم ينكر ذلك أحد عليهم حتى جاء هؤلاء المنكرون، ولو تتبعنا ما وقع من أكابر الأمة من التوسل لامتلأت بذلك الصحف وفيما ذكر كفاية. وإنما أطلت في ذلك ليتضح الأمر للمتشكك فيه غاية الاتضاح، لأن كثيرا من أتباع محمد بن عبد الوهاب يلقون إلى كثير من الناس شبهات يستميلونهم بها إلى اعتقادهم الباطل فعسى أن يقف على هذه النصوص من أراد الله حفظه من قبول شبهاتهم فلا يلتفت إليها ويقيم عليهم الحجة في إبطالها.
قال في الجوهر المنظم: ولا فرق في التوسل بين أن يكون بلفظ التوسل أو التشفع أو الاستغاثة أو التوجه، لأن التوجه من الجاه، وهو علو المنزلة، وقد يتوسل بذي الجاه إلى من هو أعلى منه جاها، والاستغاثة طلب الغوث والمستغيث يطلب من المستغاث به أن يحصل له الغوث من غيره وإن كان أعلى منه فالتوجه والاستغاثة به صلى الله عليه وسلم وبغيره ليس لهما معنى في قلوب المسلمين غير ذلك ولا يقصد بهما أحد منهم سواه، فمن لم ينشرح صدره لذلك فليبك على نفسه. نسأل الله العافية والمستغاث به في الحقيقة هو الله تعالى، وأما النبي صلى الله عليه وسلم فهو واسطة بينه وبين المستغيث، فهو سبحانه وتعالى مستغاث به حقيقة، والغوث منه خلقا وإيجادا، والنبي صلى الله عليه وسلم مستغاث به مجازا والغوث منه تسببا وكسبا، فهو على حد قوله تعالى (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) أي وما رميت خلقا وإيجادا إذ رميت تسببا وكسبا ولكن الله رمى خلقا وإيجادا، وكذا قوله تعالى (فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم) وقوله صلى الله عليه وسلم " ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم " وكثيرا ما تجيئ السنة لبيان الحقيقة ويجيئ القرآن الكريم بإضافة الفعل إلى مكتسبه، ويسند إليه مجازا كقوله صلى الله عليه وسلم " لن يدخل أحد الجنة بعمله " مع قوله تعالى (ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون) فالآية بيان للسبب العادي الذي لا تأثير له، والحديث بيان للسبب الحقيقي وهو فضل الله تعالى.
وبالجملة فإطلاق لفظ الاستغاثة لمن يحصل منه غوث باعتبار الكسب أمر معلوم لا شك فيه لغة ولا شرعا، فإذا قلت أغثني يا الله تريد الإسناد الحقيقي باعتبار الخلق والإيجاد، وإذا قلت أغثني يا رسول الله تريد الإسناد المجازي باعتبار الكسب والتوسط والتسبب بالشفاعة، ولو تتبعت كلام العلماء والأئمة لوجدت شيئا كثيرا من ذلك، ومنه ما مر في صحيح البخاري في مبحث الحشر ووقوف الناس للحساب يوم القيامة " بينما هم كذلك استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد صلى الله عليه وسلم " فتأمل تعبيره صلى الله عليه وسلم
(١٦٨)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 163 164 165 166 167 168 169 170 171 172 173 ... » »»