تفسير الميزان - السيد الطباطبائي - ج ٩ - الصفحة ٤٤
تعالى: (ان يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى) النجم: 23 وقال: (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم) الجاثية: 23.
فهذه الأمور التي تدعو إليها الفطرة الانسانية من حق العلم والعمل لوازم الحياة السعيدة الانسانية وهى الحياة الحقيقية التي بالحرى ان تختص باسم الحياة، والحياة السعيدة تستتبعها كما انها تستلزم الحياة وتستتبعها، وتعيدها إلى محلها لو ضعفت الحياة في محلها بورود ما يضادها ويبطل رشد فعلها.
فإذا انحرف الانسان عن سوى الصراط الذي تهديه إليه الفطرة الانسانية وتسوقه إليه الهداية الإلهية، فقد فقد لوازم الحياة السعيدة من العلم النافع والعمل الصالح، ولحق بحلول الجهل وفساد الإرادة الحرة والعمل النافع بالأموات ولا يحييه إلا علم حق وعمل حق، وهما اللذان تندب إليهما الفطرة وهذا هو الذي تشير إليه الآية التي نبحث عنها: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله ولرسول إذا دعاكم لما يحييكم).
واللام في قوله: (لما يحييكم) بمعنى إلى، وهو شائع في الاستعمال، والذي يدعو إليه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو الدين الحق وهو الاسلام الذي يفسره القرآن الكريم باتباع الفطرة فيما تندب إليه من علم نافع وعمل صالح.
وللحياة بحسب ما يراه القرآن الكريم معنى آخر أدق مما نراه بحسب النظر السطحي الساذج فإنا إنما نعرف من الحياة في بادئ النظر ما يعيش به الانسان في نشأته الدنيوية إلى أن يحل به الموت، وهى التي تصاحب الشعور والفعل الارادي، ويوجد مثلها أو ما يقرب منها في غير الانسان أيضا من سائر الأنواع الحيوانية لكن الله سبحانه يقول: (وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وان الدار الآخرة لهى الحيوان لو كانوا يعلمون) العنكبوت 64 ويفيد ذلك أن الانسان متمتع بهذه الحياة غير مشتغل الا بالأوهام، وأنه مشغول بها عما هو أهم وأوجب من غايات وجوده وأغراض روحه فهو في حجاب مضروب عليه يفصل بينه وبين حقيقة ما يطلبه ويبتغيه من الحياة.
وهذا هو الذي يشير إليه قوله تعالى وهو من خطابات يوم القيامة: (لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد) ق: 22.
(٤٤)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 ... » »»
الفهرست