شرح فصوص الحكم - محمد داوود قيصري رومي - الصفحة ١٩
في وجوده عن غيره فهو واجب فالوجود واجب بذاته.
فان قلت: الوجود من حيث هو هو (125) كلي طبيعي وكل كلي طبيعي لا يوجد الا في ضمن فرد من افراده، فلا يكون الوجود من حيث هو واجبا لاحتياجه في تحققه إلى ما هو فرد منه.
قلت: ان أردتم بالكبرى الطبايع الممكنة الوجود فمسلم، ولكن لا ينتج المقصود لان الممكنات من شأنها ان توجد وتعدم وطبيعة الوجود لا تقبل ذلك لما مر (126)، وإن أردتم ما هو أعم منها فالكبرى ممنوعة. وليتأمل في قوله تعالى: (ليس كمثله شئ، الآية)، بل لا نسلم ان الكلى الطبيعي في تحققه متوقف على وجود ما يعرض عليه (127)، ممكنا كان أو واجبا، إذ لو كان كذلك لزم الدور، سواء كان العارض منوعا (128) أو مشخصا (129)، لان العارض لا يتحقق الا بمعروضه فلو توقف معروضه عليه في تحققه لزم الدور. والحق ان كل كلي طبيعي في ظهوره مشخصا (130) في عالم الشهادة يحتاج إلى تعينات مشخصة له فائضة عليه من موجده وفي ظهوره في عالم المعاني منوعا يحتاج إلى تعينات كلية منوعة له لا في تحققه في نفسه.
وأيضا، كل ما تنوع أو تشخص فهو متأخر عن الطبيعة الجنسية والنوعية بالذات، والمتأخر لا يكون علة لتحقق المتقدم بل الامر بالعكس أولى، والجاعل للطبيعة طبيعة أولى منهما (131) ان تجعل تلك الطبيعة نوعا أو شخصا بضم ما يعرض عليها من المنوع والمشخص وجميع التعينات الوجودية راجعة إلى عين الوجود (132) فلا يلزم احتياج حقيقة الوجود في كونها في الخارج إلى غيرها وفي الحقيقة ليس في الوجود غيره.
تنبيه وآخر كل ممكن قابل للعدم ولا شئ من الوجود المطلق بقابل له فالوجود واجب بذاته.
لا يقال، ان وجود الممكن قابل للعدم (133). لأنا نقول، وجود الممكن (134) عبارة عن حصوله في الخارج وظهوره فيه، وهو من أعراض الوجود الحقيقي

125 - أي، طبيعة الوجود.
126 - بل نقول من رأس، الوجود ليس بكلي طبيعي أصلا. 12 127 - ومراده ان وجود الفرد وجود الكلى بالذات ووجود الفرد بالعرض.
128 - كالفصل بالنسبة إلى الجنس.
129 - كالعوارض بالنسبة إلى النوع.
130 - والا مع قطع النظر عن تشخصه وتنوعه فهو موجود بوجود نفسه ففي وجود نفسه لا يحتاج إلى شئ بل في وجوده نوعا أو شخصا. 12 131 - أي، من المنوع والمشخص. 12 132 - اعلم، ان التعينات الوجودية بنفس ذات الوجود لا بأمر غيره، واما التعينات فهي ليست معينة للوجود بل هي لوازم تعيناته لا نفسها. 12 133 - قال بعضهم: أي، الماهية الممكنة تارة تكون موجودة وتارة تكون معدومة وفي حال عدمها لا يكون وجودها موجودا فيكون وجودها معدوما. جوابه: ان وجود الممكن في حال عدمه يكون موجودا ولكن لا يكون له ظهور في هذه العين ولا يكون له إضافة إلى هذه العين المخصوصة، فالذي يكون معدوما في حال عدم الممكن هو ظهور الوجود في هذه العين والإضافة إلى هذه العين لا نفس الوجود، فالظهور والإضافة قابلان للعدم وهما ليساعين الوجود بل خاصتان عارضتان له.
134 - مراده، قدس سره، ان وجود الممكن في الحقيقة ليس بطبيعة الوجود بل هو من اعراض حقيقة الوجود، أي من تجلياتها وظهوراتها وظهور الشئ بما هو ظهور الشئ ليس بالشئ.
والمراد من قولنا: لا شئ من الوجود بقابل للعدم، لا شئ من طبيعة الوجود وحقيقته بقابلة للعدم ووجود الممكن ليس بطبيعة الوجود، ولهذا قال صدر المتألهين وجود الممكنات وجود رابط. (غلامعلى)
(١٩)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 ... » »»