شرح فصوص الحكم - محمد داوود قيصري رومي - الصفحة ١٦
بصور تلك الكمالات (61)، فيصير تابعا للذوات (62) لأنها أيضا وجودات خاصة (63) مستهلكة في مرتبة أحديته ظاهرة في واحديته.
وهو حقيقة واحدة لا تكثر فيها، وكثرة ظهوراتها وصورها لا يقدح في وحدة ذاتها (64): وتعينها وامتيازها بذاتها لا بتعين زايد عليها إذ ليس في الوجود ما يغايره ليشترك معه في شئ ويتميز عنه بشئ، وذلك لا ينافي ظهورها في مراتبها المتعينة، بل هو أصل جميع التعينات الصفاتية والأسمائية والمظاهر العلمية (65) والعينية (66).
ولها وحدة (67) لا يقابل الكثرة بل هي أصل الوحدة المقابلة لها وهي عين ذاتها الأحدية. والوحدة الأسمائية (68) المقابلة للكثرة التي هي ظل تلك الوحدة الأصلية الذاتية (69) أيضا عينها من وجه كما سنبين، انشاء الله تعالى.
وهو نور محض أدبه (70) يدرك الأشياء كلها لأنه (71) ظاهر بذاته ومظهر لغيره (72) و منور سماوات (73) الغيوب (74) والأرواح (75) وارض الأجسام (76) لأنها به توجد وتتحقق، ومنبع جميع الأنوار الروحانية (77) والجسمانية (78).
وحقيقته غير معلومة (79) لما سواه وليست عبارة عن الكون ولا عن الحصول والتحقق والثبوت، ان أريد بها المصدر، لان كلا منها عرض حينئذ ضرورة، وان أريد بها (80) ما يراد بلفظ الوجود فلا نزاع، كما أراد أهل الله بالكون وجود العالم و حينئذ لا يكون شئ منها (81) جوهرا ولا عرضا كما مر. ولا معلوما بحسب حقيقته وان كان معلوما بحسب إنيته، والتعريف اللفظي لا بدان يكون بالأشهر ليفيد العلم والوجود أشهر من الكون وغيره ضرورة.
والوجود العام المنبسط على الأعيان في العلم ظل من أظلاله لتقيده بعمومه، وكذلك الوجود الذهني والوجود الخارجي ظلان لذلك الظل لتضاعف التقييد.
وإليه الإشارة بقوله: (ألم تر إلى ربك كيف مد الظل (82) ولو شاء لجعله ساكنا) (83).
فهو الواجب الوجود الحق، سبحانه وتعالى، الثابت بذاته المثبت لغيره الموصوف بالأسماء الإلهية المنعوت بالنعوت الربانية المدعو بلسان الأنبياء والأولياء الهادي خلقه إلى ذاته الداعي مظاهره بأنبيائه (84) إلى عين جمعه (85) ومرتبة ألوهيته.
أخبر بلسانهم انه بهويته مع كل شئ (86)، وبحقيقته (87) مع كل حي. ونبه أيضا انه

٦١ - اعلم، ان مظهر الشئ صورته وصورة الشئ عبارة عما يعقل به الشئ أو يتخيل أو يحس، وظهور الشئ تميزه وتعينه، كما ان ظهور الجنس في الأنواع تعينه بالمنوعات وظهور النوع في الاشخاص تعينه بالمشخصات. وكل مظهر يغاير ما يظهر فيه ويظهر الظاهر فيه بصورته وشبحه لا بهويته وذاته كما يشاهد في المرآة والماء وما يترائى فيهما بخلاف المظاهر الإلهية، فان الظاهر يتحد فيها مع المظهر والفرق بينهما بالاطلاق والتقييد. مثلا، الحقيقة الاطلاقية الانسانية باعتبار اطلاقها ظاهرة وباعتبار تقيدها بالمشخصات مظهر، ولا شك ان تلك الحقيقة عين افرادها فالمظهر في ذلك المقام عين الظاهر والظاهر ظاهر فيه بذاته لا بصورته والظاهر في تعينه تابع للمظهر والمظهر في تحققه تابع للظاهر. والمظهر من حيث هو مظهر باطن فالظهور صفة الظاهر لا المظهر وباطن الظاهر نفس الظاهر لكن باعتبار تقدمه على حال الظهور. فافهم. (غلامعلى) ٦٢ - أي، يصير الوجود المطلق تابعا للذوات عند تجليه في صور الصفات كما انه متبوع عند تجليه بصور الذوات. والحاصل انه هو الموصوف والصفة وله باعتبار تجليه في كل منهما حكمه من التابعية والمتبوعية. قيل يرجع الضمير إلى التجلي ومعنى كونه تابعا، ان الذوات لما تكون مظاهر له فيظهر فيها بقدر سعة مكانها ويتعين بها. (غلامعلى) ٦٣ - كما سيجئ بيانه.
٦٤ - فان كثرة الظهور وصوره راجعة إلى كثرة النسب والإضافات وهي لا تستلزم تكثر المنسوب والمضاف، فلو قام عمر ومن يمين زيد وجلس على يساره لاختلف نسبة زيد إليه ولا يختلف ذاته وصفاته الخلقية الحقيقية، ظ. مع ان هذه الكثرة في عالم الفرق و اما مرتبة الجمع فلا كثرة فيها ابدا فكانت باقية على وحدتها الذاتية أزلا وأبدا. (غلامعلى) ٦٥ - كالأعيان.
٦٦ - كالماهية بل كالوجود الخاص.
٦٧ - هي وحدة الذات الاطلاقي.
٦٨ - أي، الوحدة الإضافية وهي ظهور الذات الواحدة وانبساطها واعتبار إثبات النسب والإشارات المنشأ للآثار.
٦٩ - والوحدة الافعالية وهي توحد الأعيان في الفيض المقدس ظل لتلك الوحدة. ١٢ ٧٠ - تعليل: (لقوله لأنه ظاهر بذاته مظهر لغيره). ١٢ ٧١ - تعليل لقوله: (وهو نور محض).
٧٢ - ان قلت، ان الكلام في الوجود المطلق وهو ليس بذاته مظهرا للغير. قلت، لما كان المظهر للغير وجهه على وجه العينية فهو المظهر له حقيقة. ١٢ ٧٣ - اعلم، ان المراد بالسماوات والأرض جهتا العلو والسفل في كل عالم: فسماوات عالم الواحدية الأسماء وأرضه الأعيان الثابتة، وسماوات عالم المفارقات العقول، وأرضه النفوس الجزئية، وسماوات عالم الطبيعة الأفلاك العلوية وأرضه هذه الأرض. ١٢ ٧٤ - الأسماء الإلهية.
٧٥ - العقول والنفوس.
٧٦ - سواء كانت مثالية أم طبيعية.
٧٧ - العلوم والمعارف.
٧٨ - الأشعة الحسية.
٧٩ - لان العلم بالشئ اما بحصول صورته في المدرك وهو محال في الوجود للزوم الانقلاب، و اما بشهوده وهو أيضا ممتنع لما سواه، لأنه محدود متناه وهو غير متناه فلا يكتنه حقيقته مطلقا وشهود الأشياء له بقدر استعدادها لا غير. ١٢ ٨٠ - بهذه الألفاظ.
٨١ - من هذه الألفاظ، أي الكون إلى آخره...
٨٢ - من العقل إلى الهيولى.
٨٣ - لكنه لم يشأ فلم يجعله ساكنا و (لجعله ساكنا) معناه: لجعله ثابتا في العدم الذي هو خزانة جوده، لا العدم الصرف بمعنى اللاشئ فإنه لا يقبل الوجود أصلا. والايجاد والاعدام ليس الا اظهار ما هو ثابت في الباطن واخفاؤه فحسب، وهو الظاهر والباطن. ١٢ ٨٤ - أي، بواسطتهم.
٨٥ - المراد بعين جمعه المرتبة الجامعة للأسماء كلها وهي المدلول عليها باسم الله، امام أئمتها، واما الدعوة إلى مقام الفرق فهو تحصيل الحاصل لان كل واحد من الأشياء مظهر لاسم من الأسماء ومخصوص بتربيته، كما أشير إليه في قوله تعالى: (وما من دابة الا هو آخذ بناصيتها). فكل بهذا الاعتبار على صراط مستقيم يدعى إلى مبدئه وهو الاسم الخاص به المربى له. واما الصراط الجامع الذي يدعى سالكه إلى عين جمعه فهو صراط محمد المشار إليه بقوله تعالى: (صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين).
والأنبياء كلهم يشاركه في هذا الصراط الجامع والتفاوت بالشدة والضعف. (غلامعلى) 86 - في قوله: (هو معكم). أي، المعية الحقيقية التي تستلزم الاتحاد لا المعية بحسب الانضمام كمعية البياض مع الجسم وغيره. المعية القيومية يستلزم الاتحاد: اتحاد الحقيقة والرقيقة. 12 87 - المراد بها ليس حقيقته الاطلاقية بل تجليه وفيضه. وانما لم يقل بفيضه وتجليه لأنه لفظ متشابه يعم ما على وجه العينية وما على وجه الغيرية، ومظهرية الفيض للأشياء على وجه العينية لا الغيرية لأنه بهذا الوجه عدم. 12
(١٦)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 6 7 13 14 15 16 17 18 19 20 21 ... » »»