شرح فصوص الحكم - محمد داوود قيصري رومي - الصفحة ٢١
ما به الاتحاد وما به الامتياز (149)، وليس ما به الاتحاد هنا سوى نفس الوجود (150) وما به التغاير سوى نفس الهذية (151) فتعين ان يكون الوجود من حيث هو هو عين الوجودات المضافة (152) حقيقة (153)، والا لم يكن وجودا ضرورة (154)، والمنازع يكابر مقتضى عقله، الا ان يطلق لفظ الوجود عليها وعلى الوجود من حيث هو هو بالاشتراك اللفظي (155) وهو عين الفساد.
وما يقال بان الوجود يقع على افراده لا على وجه التساوي: فإنه يقع على وجود العلة ومعلولها بالتقدم والتأخر وعلى وجود الجوهر والعرض بالأولوية وعدمها وعلى وجود القار وغير القار بالشدة والضعف، فيكون مقولا عليها بالتشكيك، وكل ما هو مقول بالتشكيك لا تكون ماهية شئ (156) ولا جزوه (157)، ان أرادوا به ان التقدم والتأخر والأولوية وعدمها والشدة والضعف باعتبار الوجود من حيث هو هو فهو ممنوع، لكونها من الأمور الإضافية التي لا تتصور الا بنسبة بعضها إلى بعض. ولأن المقول على سبيل التشكيك انما هو باعتبار الكلية والعموم، والوجود من حيث هو لا عام ولا خاص. وان أرادوا به انها تلحق الوجود بالقياس إلى الماهيات فهو صحيح (158). لكن لا يلزم منه ان يكون الوجود من حيث هو مقولا عليها بالتشكيك إذ اعتبار المعروضات (159) غير اعتبار الوجود. و ذلك بعينه كلام أهل الله، لأنهم ذهبوا إلى ان الوجود باعتبار تنزله في مراتب الأكوان وظهوره في حظاير الامكان وكثرة الوسايط يشتد خفاؤه فيضعف ظهوره وكمالاته وباعتبار قلتها يشتد نوريته ويقوى ظهوره فتظهر كمالاته وصفاته فيكون اطلاقه على القوى أولى من اطلاقه على الضعيف.
وتحقيق ذلك بان تعلم ان للوجود مظاهر في العقل (160)، كما ان له مظاهر في الخارج، منها هي الأمور العامة (161) والكليات التي لا وجود لها الا في العقل. و كونه مقولا على الافراد المضافة إلى الماهيات بالتشكيك انما هو باعتبار ذلك الظهور العقلي، ولذلك قيل انه (162) اعتباري، فلا يكون من حيث هو هو مقولا عليها بالتشكيك (163) بل من حيث انه كلي محمول عقلي. وهذا المعنى لا ينافي كونه عين ماهية افراده باعتبار كليه الطبيعي كما ان الحيوان طبيعته فقط جزء الافراد

149 - واما حمله على الواجب فأولى.
150 - أي، نفس الطاردية عن العدم وهي جهة الاشتراك بين الوجودات كلها، أي لا يخلو جهة من الجهات الوجودية من هذه الحيثية الاشتراكية، حيث لا جهة فيها الا وهذه الحيثية تصدق عليها وما به التغاير هو نفس الهذية الوجودية الممتازة عن الهذية الأخرى لا بأمر عدمي أو ما هوى بل لوجدان الهذية الأولى لمقدار من الحيثية الاشتراكية ووجدان الأخرى لمقدار آخر، فوقه أو تحته. وهذا المقدار الموجد الذي هو مناط التمايز عين الطاردية أيضا فما به الاشتراك عين ما به الامتياز أي من سنخه وجنسه، لا ان هنا جهة جامعة وراء الجهات الميزية وإلا لزم ان يكون بينهما جهة جامعة أخرى فيتسلسل. على ان الجهة الجامعة حينئذ خالية عن التفاوت فمن أين جاء التفاوت في المراتب المتأخرة. وهذا المقدار من البيان، و ان كان في غاية الايجاز، لكنه كاف للناقد البصير، فيلتأمل فإنه من مزال الاقدام.
(غلامعلى) 151 - أي، نحو من الوجود.
152 - لان ما به الاتحاد مع الشئ عين الشئ.
153 - فلا يكون عرضا عاما.
154 - لان ما به الاتحاد للشئ عين الشئ فإذا لم يكن عينا لم يكن هو ما به الاتحاد وإذا لم يكن هو ما به الاتحاد لم يكن وجودا لان ما به الاتحاد ليس الا الوجود. وصورة القياس هكذا:
الوجود ما به الاتحاد للوجودات المضافة، وكلما به الاتحاد للوجودات فهو عين الوجودات، فالوجود عين الوجودات. 12 155 - وكان معنى هذا الوجود وجودان لفظه يطلق عليهما. 12 156 - لأنه لا تشكيك في الذات والذاتي. 12 157 - فيكون عرضا عاما.
158 - لا يقال ان الماهيات أمور اعتبارية لا يصح ان يكون ما به التفاوت. لأنا نقول المراد بالمهيات اما الوجودات الخاصة أو الأعيان الثابتة والماهيات الاعتبارية، ويكون المراد انها تلحق الوجود باعتبار تنزله وكونه بحيث يصح ان ينتزع منه الماهية. واما حمله على ما هو الظاهر من نفس هذه العبارة من وحدة الوجود المنسوبة إلى جهلة الصوفية فهو توجيه ما لا يرضى صاحبه.
159 - للماهيات، أي الوجودات الخاصة.
160 - فمفهوم الوجود الذي في الذهن أيضا ظهور منه وليس في المفاهيم العامة أدل منه على حقيقة الوجود وان لم يكن هو أيضا حاكيا عن تمام الوجود وحقيقته الا انه يطلق عليه إشارة إلى انه ليس بعدم، لان الوجود من حيث هو غير محدود عدة ومدة وشدة. ومناط كونه غير متناه في الكمالات وجامعا لها هو عدم محدوديته في الشدة ومفهوم الوجود ليس بغير محدود في الشدة والا لكان جامعا لكل المفاهيم. (غلامعلى) 161 - كالوجود وأمثاله من المفاهيم العامة. 12 162 - الوجود.
163 - الا ان يراد بكونه مقولا بالتشكيك كونه ذا مراتب بحسب الكمال في العين. 12
(٢١)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 43 ... » »»