مصباح الفقيه (ط.ق) - آقا رضا الهمداني - ج ٣ - الصفحة ١١٢
الملح فهو استبعاد لغير البعيد بل الغالب فيمن اتخذ الملاحة مكسبا له بلوغ ما يتخذه من معدنه حد النصاب في زمان قليل خصوصا في الأماكن التي يعز وجود الملح فيها ويختص معادنه باشخاص خاصة فعمدة ما يوهن الاعتماد على الرواية هو ما عرفت من اعراض أكثر القدماء عنها ولكن طرح الخبر الصحيح الذي اعتمد عليه بعض القدماء كالشيخ وابن حمزة وكثير من المتأخرين بل عامتهم كما ادعاه في المدارك من غير معارض مكافؤ مشكل فالالتزام بمضمونه أشبه بالقواعد وان كان القول الأول أحوط حجة القول باعتبار الدينار المحكى عن أبي الصلاح الحلبي ما رواه الشيخ باسناده عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن محمد بن علي بن أبي عبد الله عن أبي الحسن عليه السلام قال سألته عما يخرج من البحر من اللؤلؤ والياقوت والزبر جد وعن معادن الذهب والفضة هل فيه زكاة فقال إذا بلغ قيمته دينارا ففيه الخمس وعن الصدوق مرسلا عن الكاظم عليه السلام نحوه وهذه الرواية قاصرة عن مكافئة الصحيحة المزبورة سندا ودلالة وعملا اما من حيث السند فهو مطعون بجهالة الراوي كما في المدارك وغيره ومن حيث العمل فلم ينقل القول بمضمونه الا عن أبي الصلاح وهو لا يخرجها عن الشذوذ فالصحيحة بالإضافة إليها من قبيل الرواية المشهور التي ورد في بعض الأخبار العلاجية الامر بالاخذ بها في مقام المعارضة واما من حيث الدلالة فمن وجوه اما أولا فلان الجواب ليس نصا في إرادة حكم الذهب والفضة فإنه وان وقع التصريح بهما في طي السؤال الا ان تعدد الأمثلة التي وقع السؤال عن حكمها خصوصا بعد فرض السائل مجموعها من واد واحد فيما هو مناط الحكم يجعل الجواب بمنزلة العمومات القابلة للتخصيص فيحتمل ان يكون المقصود بالجواب ثبوت الحكم فيما وقع عنه السؤال على سبيل الاجمال ولذا أجاب عنه الشيخ (ره) في التهذيب على ما حكى عنه بأنه انما يتناول حكم ما يخرج من البحر لا المعادن وفي المدارك بعدان نقل هذا الجواب عن الشيخ قال وهو بعيد وفيه ان كونه بعيدا لا ينفى احتماله حتى يصلح معارضا للنص الخاص الوارد في المعدن و كون الصحيحة أيضا لها جهة عموم حيث إنها تتناول ساير المعادن غير قادح فإنه لا يمكن تخصيصها بما عدى معدن الذهب والفضة اما لكون معدنهما بمنزلة القدر المتيقن الذي ينسبق إلى الذهن من اطلاق السؤال فترك التفصيل في الجواب يجعله كالنص في ارادته واما لعدم القول بالفصل وثانيا فلانه ليس نصا في الجواب لان ثبوت الخمس فيه عند بلوغ قيمته دينارا أعم من أن يكون على جهة الندب كثبوت الزكاة في مال التجارة عند تحقق شرائطها غاية الأمران ظاهره ذلك فيرفع اليد عنه في بعض موارده أي معادن الذهب والفضة بالنص ولا محذور وفيه بل هو أهون التصرفات وأقرب المحتملات في مقام التوجيه وثالثا فلما أشرنا إليه في صدر المبحث من أن الاخبار المثبتة للخمس في مورد من موارده لا تصلح معارضة للأخبار النافية له عن ذلك المورد لجواز ان يكون نفيه عنه من قبل ولى الخمس ارفاقا برعاياه فلا ينافي ذلك ثبوته في أصل الشرع كما ستعرف له شواهد في هذا الباب فيمكن ان يكون الدينار في الواقع سببا لثبوت الخمس ولكن الإمام عليه السلام وسع على الناس وجعلهم في حل من ذلك ولم يكلفهم بشئ ما لم يبلغ عشرين دينارا فليتأمل وقد تلخص مما ذكران القول باعتبار بلوغ قيمته عشرين دينارا تعويلا على الصحيحة المزبورة لا يخلو عن قوة ولكن العمل باطلاق أدلة الخمس أحوط ثم إن المدار على ما يتبادر من النص انما هو بقيمة النصاب أي العشرين دينارا وقت الاخراج كما صرح به غير واحد وعن الشهيد الاجتزاء بقيمته القديمة وكان مراده القيمة التي كانت لعشرين دينارا في صدر الاسلام وهى ماتا درهم كما يظهر من تتبع الآثار واما الشئ المستخرج من المعادن فلا طريق إلى معرفة قيمته القديمة مع أنه لا وجه يعتد به للاجتزاء به واما القيمة القديمة للعشرين دينارا فيمكن ان يوجه اعتبارها بظهور الخبر في كون المعيار بلوغ نصاب الزكاة فلا يبعدان يكون ذكر العشرين دينارا من باب اتحاده مع مأتي درهم في ذلك الزمان لأنه هو الأصل في زكاة النقدين على ما ذكره شيخنا المرتضى رحمه الله مستظهرا من اخبارها فالعبرة على هذا التقدير انما هو ببلوغ مأتي درهم التي هي قيمة العشرين دينارا في ذلك الزمان من حيث هي وفيه ان حمل العشرين دينارا على إرادة مقدار ماليته الخاصة الثابتة له في ذلك الزمان باعتبار مساواته لمأتي درهم خلاف الظاهر بل الظاهر كونه بنفسه ملحوظا في الحكم والا لعبر بمأتي درهم مع أن ما قيل من أن الأصل في نصاب النقدين ماتا درهم ان سلم فهو من قبيل الحكم والمناسبات المقتضية لتعلق الحكم به في أصل الشرع والا فالعشرون دينارا أيضا كمأتي درهم في حد ذاته أصل مستقل في زكاة النقدين هذا مع أنه لم يعلم مساواتهما في القيمة حين صدور الرواية وكيف كان فالقول بكفاية القمية القديمة ضعيف ثم إن المتبادر من سؤال السائل في الصحيحة المزبور وكذا من جواب الإمام عليه السلام اعتبار النصاب فيما اخرج من المعدن دفعة أو دفعات في حكم الواحد بان لا يتحقق بينهما الاعراض كما صرح به شيخنا المرتضى (ره) وفاقا لما حكاه عن العلامة في المنتهى والتحرير وحاشية الشرايع وشرح المفاتيح والرياض خلافا للمحكى عن الشهيدين في الدروس والمسالك والأردبيلي وصاحبي المدارك والذخيرة تمسكا بالعمومات المتضمنة لوجوب الخمس في هذا النوع وفيه ان العبرة بظاهر النص الخاص الدال على اعتبار النصاب اللهم الا ان يمنع ظهور النص الخاص في ذلك أو يقال بان ظهوره في ذلك ليس على وجه يعتد به في رفع اليد عن اطلاق الأدلة والأوجه ان يقال إن الاعراض المتخلل في البين ان كان على وجه عدا العود إليه في العرف عملا ابتدائيا مستأنفا بحيث يكون فعله بعد الاعراض وقبله بمنزلة دفعات واقعة في أزمنة متباعدة من باب الاتفاق من غير ارتباط بعضها ببعض لو حظ كل فعل من افعاله بحياله موضوعا مستقلا واما ان لم يكن كذلك بل كان عوده إليه بمنزلة اعراضه عن اعراضه السابق والرجوع إلى عمله فهو بحكم ما لو لم يتحقق بينهما اعراض في استفادة وجوب الخمس فيه عند بلوغ مجموعه النصاب من الخبر الخاص فضلا عن العمومات الدالة عليه هذا مع امكان ان يقال إن انصرافه عن الدفعات المتبانية المستقلة أيضا بدوي منشأه انس الذهن وانسباقه إلى الشيخ المستخرج من المعدن المجتمع عنده حتى بلغ النصاب فانصرافه عن الدفعات انما هو من حيث عدم اجتماع محصلها ندبه والا فلو فرض اجتماعه لديه وانضمام بعضه إلى بعض يشكل دعوى انصراف النص عنه كما أنه يشكل دعوى انصرافه إلى ما استخرجه بالدفعات المتوالية الغير المتخللة بالاعراض عند عدم اجتماع ما حصله بها لديه كما لو اتخذ الملاحة مكسبا فاستخرج من معدن الملح يوما فيوما على التدريج بمقدار ما يكفيه في مؤنته وصرفه كذلك فان قوله عليه السلام ليس فيه شئ حتى يبلغ ما يكون في مثله الزكاة عشرين دينارا منصرف عن مثل ذلك
(١١٢)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 107 108 109 110 111 112 113 114 115 116 117 ... » »»