تفسير الميزان - السيد الطباطبائي - ج ١٦ - الصفحة ٧٧
وقوله: (ولا تبغ الفساد في الأرض ان الله لا يحب المفسدين) أي لا تطلب الفساد في الأرض بالاستعانة بما آتاك الله من مال وما اكتسبت به من جاه وحشمة ان الله لا يحب المفسدين لبناء الخلقة على الصلاح والاصلاح.
قوله تعالى: (قال انما أوتيته على علم عندي) إلى آخر الآية. لا شك أن قوله (انما أوتيته على علم عندي) جواب عن جميع ما قاله المؤمنون من قومه ونصحوه به وكان كلامهم مبنيا على أن ماله من الثروة انما آتاه الله احسانا إليه وفضلا منه من غير استيجاب واستحقاق فيجب عليه أن يبتغى فيه الدار الآخرة ويحسن به إلى الناس ولا يفسد في الأرض بالاستعلاء والاستكبار والبطر.
فأجاب بنفي كونه انما أوتيه احسانا من غير استحقاق ودعوى أنه انما أوتيه على استحقاق بما عنده من العلم بطرق اقتناء المال وتدبيره وليس عند غيره ذلك، وإذا كان ذلك باستحقاق فقد استقل بملكه وله أن يفعل فيما اقتناه من المال بما شاء ويستدره في أنواع التنعم وبسط السلطة والعلو والبلوغ إلى الآمال والأماني.
وهذه المزعمة التي ابتلى بها قارون فأهلكته - أعني زعمه أن الذي حصل له الكنوز وساق إليه القوة والجمع هو نبوغه العلمي في اكتساب العزة وقدرته النفسانية لا غير - مزعمة عامة بين أبناء الدنيا لا يرى الواحد منهم فيما ساقه إليه التقدير ووافقته الأسباب الظاهرة من عزة عاجلة وقوة مستعارة الا أن نفسه هي الفاعلة له وعلمه هو السائق له إليه وخبرته هي الماسكة له لأجله.
والى عموم هذه المزعمة وركون الانسان إليها بالطبع يشير قوله تعالى: (وإذا مس الانسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال انما أوتيته على علم بل هي فتنة ولكن أكثرهم لا يعلمون قد قالها الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون فأصابهم سيأت ما كسبوا والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيأت ما كسبوا وما هم بمعجزين أو لم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ان في ذلك لايات لقوم يؤمنون) الزمر: 52، وقال: (أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد قوة وآثارا في الأرض فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا
(٧٧)
مفاتيح البحث: الرزق (1)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 ... » »»
الفهرست