تفسير الميزان - السيد الطباطبائي - ج ١٦ - الصفحة ٣٩١
أبعد ما يكون من عالم الدنيا التي هي دار العمل وموطن الاكتساب بالاختيار وقد تبدل الغيب شهادة لهم والشهادة غيبا كما تشير إليه الآية التالية.
قوله تعالى: (وقد كفروا به من قبل ويقذفون بالغيب من مكان بعيد) حال من الضمير في (وأنى لهم التناوش) والمراد بقوله: (ويقذفون بالغيب من مكان بعيد) رميهم عالم الآخرة وهم في الدنيا بالظنون مع عدم علمهم به وكونه غائبا عن حواسهم إذ كانوا يقولون: لا بعث ولا جنة ولا نار، وقيل: المراد به رميهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالسحر والكذب والافتراء والشعر.
والعناية في اطلاق المكان البعيد على الدنيا بالنسبة إلى الآخرة نظيرة اطلاقه على الآخرة بالنسبة إلى الدنيا وقد تقدمت الإشارة إليه.
ومعنى الآيتين: وقال المشركون حينما أخذوا آمنا بالحق الذي هو القرآن وأنى لهم تناول الايمان به - ايمانا يفيد النجاة من مكان بعيد وهو الآخرة والحال أنهم كفروا به من قبل في الدنيا وهم ينفون أمور الآخرة بالظنون والأوهام من مكان بعيد وهو الدنيا.
قوله تعالى: (وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل انهم كانوا في شك مريب) ظاهر السياق أن المراد بما يشتهون اللذائذ المادية الدنيوية التي يحال بينهم وبينها بالموت، والمراد بأشياعهم من قبل أشباههم من الأمم الماضية أو موافقوهم في المذهب، وقوله: (انهم كانوا في شك مريب) تعليل لقوله: (كما فعل) الخ.
والمعنى: ووقعت الحيلولة بين المشركين المأخوذين وبين ما يشتهون من ملاذ الدنيا كما فعل ذلك بأشباههم من مشركي الأمم الدارجة من قبلهم انهم كانوا في شك مريب من الحق أو من الآخرة فيقذفونها بالغيب.
واعلم أن ما قدمناه من الكلام في هذه الآيات الأربع مبنى على ما يعطيه ظاهر السياق وقد استفاضت الروايات من طرق الشيعة وأهل السنة أن الآيات ناظرة إلى خسف جيش السفياني بالبيداء وهو من علائم ظهور المهدي عليه السلام المتصلة به فعلى تقدير نزول الآيات في ذلك يكون ما قدمناه من المعنى من باب جرى الآيات فيه.
(٣٩١)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 384 385 386 387 388 389 390 391 392 393 394 » »»
الفهرست