تفسير الميزان - السيد الطباطبائي - ج ٩ - الصفحة ٢٢٨
الكفار ويسدد ويسعد بهم المؤمنون كما اشتملت عليه آيات آل عمران القاصة قصة أحد، وآيات في أول سورة الفتح فراجعها حتى يتبين لك حقيقة الحال إن شاء الله تعالى.
وقد تقدم في قوله تعالى: (فيه سكينة من ربكم) البقرة: 248 في الجزء الثاني من الكتاب بعض ما يتعلق بالسكينة الإلهية من الكلام مما لا يخلو من نفع في هذا المقام.
قوله تعالى: (ثم يتوب الله من بعد ذلك على من يشاء والله غفور رحيم) قد تقدم مرارا أن التوبة من الله سبحانه هي الرجوع إلى عبده بالعناية والتوفيق اولا ثم بالعفو والمغفرة ثانيا، ومن العبد الرجوع إلى ربه بالندامة والاستغفار، ولا يتوب الله على من لا يتوب إليه.
والإشارة في قوله: (من بعد ذلك) على ما يعطيه السياق إلى ما ذكره في الآيتين السابقتين من خطيئتهم بالركون إلى غير الله سبحانه ومعصيتهم بالفرار والتولي ثم إنزال السكينة وإنزال الجنود وتعذيب الذين كفروا.
والملائم لذلك ان يكون الموصول في (من يشاء) شاملا للمسلمين والكافرين جميعا فقد ذكر من الفريقين جميعا ما يصلح لان يتوب الله عليهم فيه إن تابوا، وهو من الكفار كفرهم ومن المسلمين خطيئتهم ومعصيتهم، ولا وجه لتخصيص التوبة على بعضهم مع ما في آيات التوبة من عموم الحكم وسعته ولم يقيد في هذه الآية المبحوث عنها بما يوجب اختصاصها بأحد الفريقين: المسلمين أو الكافرين مع وجود المقتضى فيهما جميعا.
ومما ذكرنا يظهر فساد ما فسر به بعضهم الآية مع قصر الإشارة على التعذيب إذ قال: إن معناها ثم يتوب الله تعالى بعد هذا التعذيب الذي يكون في الدنيا على من يشاء من الكافرين فيهديهم إلى الاسلام وهم الذين لم يحط بهم خطيئات جهالة الشرك وخرافاته من جميع جوانب أنفسهم، ولم يختم على نفوسهم بالاصرار على الجحود والتكذيب أو الجمود على ما ألفوا بمحض التقليد. انتهى.
وقد عرفت أن تخصيص الآية بما ذكر والتصرف في سائر قيوده كقصر الإشارة على التعذيب وغير ذلك مما لا دليل عليه البتة.
والوجه في التعبير بالاستقبال في قوله: (ثم يتوب الله) الإشارة إلى انفتاح باب التوبة دائما، وجريان العناية وفيضان العفو والمغفرة الإلهية مستمرا بخلاف ما
(٢٢٨)
مفاتيح البحث: يوم عرفة (1)، سورة الفتح (1)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 223 224 225 226 227 228 229 230 231 232 233 ... » »»
الفهرست