تفسير الميزان - السيد الطباطبائي - ج ٩ - الصفحة ١٥٧
لكم فاستقيموا لهم) وذلك أن الاستقامة لمن استقام والسلم لمن يسالم من لوازم التقوى الديني، ولذلك علل قوله ذلك بقوله: (إن الله يحب المتقين) كما جاء مثله بعينه في الآية السابقة: (فاتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إن الله يحب المتقين).
قوله تعالى: (كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة) إلى آخر الآية، قال الراغب في المفردات: الال كل حالة ظاهرة من عهد حلف، وقرابة تئل:
تلمع فلا يمكن انكاره، قال تعالى: لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ذمة، وأل الفرس:
أسرع، حقيقته لمع، وذلك استعارة في باب الاسراع نحو برق وطار. انتهى.
وقال أيضا: الذمام - بكسر الذال - ما يذم الرجل على إضاعته من عهد، وكذلك الذمة والمذمة، وقيل: لي مذمة فلا تهتكها، وأذهب مذمتهم بشئ: أي أعطهم شيئا لما لهم من الذمام. انتهى. وهو ظاهر في أن الذمة مأخوذة من الذم بالمعنى الذي يقابل المدح.
ولعل إلقاء المقابلة في الآية بين الال والذمة للدلالة على أنهم لا يحفظون في المؤمنين شيئا من المواثيق التي يجب رقوبها وحفظها سواء كانت مبنية على أصول واقعية تكوينية كالقرابة التي توجب بوجه على القريب رعاية حال قريبه، أو على الجعل والاصطلاح كالعهود والمواثيق المعقودة بحلف ونحوه.
وقد كررت لفظة (كيف) للتأكيد ولرفع الابهام في البيان الناشئ من تخلل قوله: (إلا الذين عاهدتم) الآية بطولها بين قوله: (كيف يكون للمشركين) الآية وقوله: (وإن يظهروا عليكم) الآية.
فمعنى الآية: كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله والحال أنهم إن يظهروا عليكم ويغلبوكم على الامر لا يحفظوا ولا يراعوا فيكم قرابة ولا عهدا من العهود يرضونكم بالكلام المدلس والقول المزوق، ويابى ذلك قلوبهم، وأكثرهم فاسقون.
ومن هنا ظهر أن قوله: (يرضونكم بأفواههم) من المجاز العقلي نسب فيه الارضاء إلى الأفواه وهو في الحقيقة منسوب إلى القول والكلام الخارج من الأفواه المكون فيها.
وقوله: (يرضونكم) الآية تعليل لانكار وجود العهد للمشركين ولذلك
(١٥٧)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 152 153 154 155 156 157 158 159 160 161 162 ... » »»
الفهرست