شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق (ص) - الشيخ يوسف بن اسماعيل النبهاني - الصفحة ١٣٨
رضي الله عنه توسل بالعباس رضي الله عنه في الاستسقاء ولم ينكر عليه، وكأن حكمة توسله به دون النبي صلى الله عليه وسلم وقبره إظهار غاية التواضع لنفسه، والرفعة لقرابته صلى الله عليه وسلم، ففي توسله بالعباس توسل بالنبي صلى الله عليه وسلم، وزيادة.
لا يقال لفظ التوجه والاستغاثة يوهم أن المتوجه والمستغاث به أعلى من المتوجه والمستغاث إليه لأن التوجه من الجاه وهو علو المنزلة، وقد يتوسل بذي الجاه إلى من هو أعلى جاها منه، والاستغاثة طلب الغوث والمستغيث يطلب من المستغاث به أن يحصل له الغوث من غيره وإن كان ذلك الغير أعلى منه. فالتوجه والاستغاثة به صلى الله عليه وسلم وبغيره ليس لهما معنى في قلوب المسلمين غير ذلك ولا يقصد بهما أحد منهم سواه فمن لم ينشرح صدره لذلك فليبك على نفسه، نسأل الله العافية، والمستغاث به في الحقيقة هو الله تعالى والنبي صلى الله عليه وسلم واسطة بينه وبين المتسغيث فهو سبحانه مستغاث به والغوث منه خلقا وإيجادا، والنبي مستغاث والغوث منه سببا وكسبا ومستغاث به مجازا، وبالجملة فإطلاق لفظ الاستغاثة لمن يحصل منه غوث ولو سببا وكسبا أمر معلوم لا شك فيه لغة ولا شرعا فلا فرق بينه وبين السؤال لا سيما مع ما نقل أن في حديث البخاري رحمه الله تعالى في الشفاعة يوم القيامة " فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد صلى الله عليه وسلم " وقد يكون معنى التوسل به صلى الله عليه وسلم طلب الدعاء منه إذ هو حي يعلم سؤال من يسأله وقد صح في حديث طويل: إن الناس أصابهم قحط في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فجاء رجل إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا فأتاه صلى الله عليه وسلم في النوم وأخبره أنهم يسقون فكان كذلك، وفيه ائت عمر فاقرئه السلام وأخبره أنهم يسقون، وقل له: عليك الكيس الكيس: أي الرفق لأنه رضي الله عنه كان شديدا في دين الله فأتاه فأخبره فبكى، ثم قال يا رب ما آلو إلا ما عجزت عنه. وفي رواية أن رائي المنام بلال بن الحارث المزني الصحابي رضي الله عنه.
فعلم أنه صلى الله عليه وسلم بطلب منه الدعاء بحصول الحاجات كما في حياته لعلمه بسؤال من سأله كما ورد مع قدرته على التسبب في حصول ما سئل فيه بسؤاله وشفاعته صلى الله عليه وسلم إلى ربه عز وجل، وأنه صلى الله عليه وسلم يتوسل به في كل خير قبل بروزه لهذا العالم وبعده في حياته وبعد وفاته، وكذا في عرصات القيامة فيشفع إلى ربه، وهذا مما قام الإجماع عليه وتواترت به الأخبار. وصح عن ابن عباس رضي الله عنهما
(١٣٨)
الذهاب إلى صفحة: «« « 136 137 138 139 140 141 142 143 144 145 146 ... » »»