تفسير الميزان - السيد الطباطبائي - ج ١٨ - الصفحة ٢٨٤
ويخبرهم - وهو بشرى - أن المشركين لو قاتلوهم لانهزموا وولوا الادبار وأن الرؤيا التي رآها النبي صلى الله عليه وآله وسلم رؤيا صادقة سيدخلون المسجد الحرام آمنين محلقين رؤوسهم لا يخافون فإنه تعالى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون.
قوله تعالى: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) الرضا هيئة تطرأ على النفس من تلقي ما يلائمها وتقبله من غير دفع، ويقابله السخط، وإذا نسب إلى الله سبحانه كان المراد الإثابة والجزاء الحسن دون الهيئة الطارئة والصفة العارضة الحادثة لاستحالة ذلك عليه تعالى: فرضاه سبحانه من صفات الفعل لا من صفات الذات.
والرضا - كما قيل - يستعمل متعديا إلى المفعول بنفسه ومتعديا بعن ومتعديا بالباء فإذا عدي بنفسه جاز دخوله على الذات نحو: رضيت زيدا، وعلى المعنى نحو:
رضيت أمارة زيد، قال تعالى: (ورضيت لكم الاسلام دينا) المائدة: 3، وإذا عدي بعن دخل على الذات كقوله: (رضي الله عنهم ورضوا عنه) البينة: 8، وإذا عدي بالباء دخل على المعنى كقوله تعالى: (أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة).
ولما كان الرضا المنسوب إليه تعالى صفة فعل له بمعنى الإثابة والجزاء، والجزاء إنما يكون بإزاء العمل دون الذات ففيما نسب من رضاه تعالى إلى الذات وعدي بعن كما في الآية (لقد رضي الله عن المؤمنين) نوع عناية استدعى عد الرضا وهو متعلق بالعمل متعلقا بالذات وهو أخذ بيعتهم التي هي متعلقة الرضا ظرفا للرضي فلم يسع إلا أن يكون الرضا متعلقا بهم أنفسهم.
فقوله: (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) إخبار عن إثابته تعالى لهم بإزاء بيعتهم له صلى الله عليه وآله وسلم تحت الشجرة.
وقد كانت البيعة يوم الحديبية تحت شجرة سمرة بها بايعه صلى الله عليه وآله وسلم من معه من المؤمنين وقد ظهر به أن الظرف في قوله: (إذ يبايعونك) متعلق بقوله: (لقد رضي) واللام للقسم.
قوله تعالى: (فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا
(٢٨٤)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 279 280 281 282 283 284 285 286 287 288 289 ... » »»
الفهرست