تفسير الميزان - السيد الطباطبائي - ج ٩ - الصفحة ٧٥
وهى الغاية التي تسير إليها قافلة الشر والخبيث يحلها الجميع وهى دار البوار كما أن الخير والطيب إلى الجنة، والأولون هم الخاسرون كما أن الآخرين هم الرابحون المفلحون.
ومن هنا يظهر ان قوله: (ليميز الله الخبيث من الطيب) الخ قريب المضمون من قوله تعالى في مثل ضربه للحق والباطل: (أنزل من السماء ماء فسالت اودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فاما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) الرعد: 17 والآية تشير إلى قانون كلى إلهي وهو إلحاق فرع كل شئ بأصله.
قوله تعالى: (قل للذين كفروا ان ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) إلى آخر الآية الانتهاء الاقلاع عن الشئ لأجل النهى، والسلوف التقدم، والسنة هي الطريقة والسيرة.
أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ان يبلغهم ذلك وفي معناه تطميع وتخويف وحقيقته دعوة إلى ترك القتال والفتنة ليغفر الله لهم بذلك ما تقدم من قتلهم وإيذائهم للمؤمنين فان لم ينتهوا عما نهوا عنه فقد مضت سنة الله في الأولين منهم بالاهلاك والإبادة وخسران السعي.
قوله تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فان انتهوا فان الله بما يعملون بصير) الآية وما بعدها يشتملان على تكليف المؤمنين بحذاء ما كلف به الكفار في الآية السابقة، والمعنى: قل لهم إن ينتهوا عن المحادة لله ورسوله يغفر لهم ما قد سلف وان يعودوا إلى مثل ما عملوا فقد علموا بما جرى على سابقتهم قل لهم كذا وأما أنت والمؤمنون فلا تهنوا فيما يهمكم من إقامة الدين وتصفية جو صالح للمؤمنين، وقاتلوهم حتى تنتهى هذه الفتن التي تفاجئكم كل يوم، ولا تكون فتنه بعد فإن انتهوا فإن الله يجازيهم بما يرى من أعمالهم، وإن تولوا عن الانتهاء فأديموا القتال والله مولاكم فاعلموا ذلك ولا تهنوا ولا تخافوا.
والفتنة ما يمتحن به النفوس وتكون لا محالة مما يشق عليها، وغلب استعمالها في المقاتل وارتفاع الامن وانتقاض الصلح، وكان كفار قريش يقبضون على المؤمنين بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم قبل الهجرة وبعدها إلى مدة في مكة ويعذبونهم ويجبرونهم على ترك الاسلام والرجوع إلى الكفر، وكانت تسمى فتنة.
وقد ظهر بما يفيده السياق من المعنى السابق ان قوله: (وقاتلوهم حتى لا تكون
(٧٥)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 ... » »»
الفهرست