كنز الفوائد - أبو الفتح الكراجكي - الصفحة ٢٠٧
ليظن المشركون إذا رأوك اني لم اخرج فلا يجدون في طلبي فاقامه مقاما مهولا وكلفه تكليفا عظيما لم يصبر على مثله إلا إسماعيل عليه السلام لما قال له أبوه الخليل صلى الله عليه * (يا بني انى ارى في المنام انى أذبحك فانظر ماذا ترى) * وقول إسماعيل له * (يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين) * الصافات بل حال أمير المؤمنين عليه السلام أعظم وتكليفه أشق وأصعب لأن إسماعيل عليه السلام أسلم لهلاك يناله بيد أبيه وأمير المؤمنين عليه السلام أسلم لهلاك يناله بيد أعدائه فاجابه صلى الله عليهما إلى مراده وسارع إلى ايثاره بنفس طيبة ونية صادقة واضطجع على فراشه ولا يشك إلا أنه مقتول في ليلته قد فداه بنفسه وجاد دونه بمهجته وفي مبيته على الفراش انزل الله تعالى على نبيه و * (من الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد) * البقرة فأين هذا من حزن أبي بكر وفرقه وخوفه وقلقه وتوجه النهي إليه وتعريه من السكينة التي خص الله سبحانه بها رسول الله صلى الله عليه وآله أترى لو قيل له وهو على ما يدعى له من صحة العقيدة في الاسلام أتحب لو كنت البائت على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله والواقي له بنفسه والذي انزل فيه * (ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضات الله) * ولم تكن حزنت في الغار وتوجه إليك النهي عن النبي صلى الله عليه وآله حتى نزلت السكينة عليه دونك لم يشرك فيها بينك أكان يقول لا حاجة بي إلى فضيلة الفراش أم يقول بودي ذلك ولسنا نشك انه لو قيل لأمير المؤمنين عليه السلام أتحب لو كنت بدلا من نومك على فراش رسول الله صلى الله عليه وآله وحصول فضيلته لك ونزول القرآن بمدحك بمكان أبي بكر في الغار وقد وقع الحزن منك وتوجه النهى إليك ونزلت السكينة على رسول الله صلى الله عليه وآله دونك وفاز بفضيلة المواساة بالنوم على الفراش غيرك لقال أعوذ بالله من ذلك والفرق بين الحالين مرئي للعميان وقد روى الثقات عن الصادق جعفر بن محمد عليهما السلام أنه قال لما بات علي عليه السلام على الفراش اوحى الله تعالى إلى ملكين من ملائكته لم يكن في الملائكة أشد ائتلافا ومؤاخاة منهما فقال اني مميت أحدكما فاختارا قال فتدافعا الموت بينهما وآثر كل واحد منهما البقاء فأوحى الله تعالى إليهما أين أنتما عن عبدي هذا الراضي بالموت البائت على فراش ابن عمه يقيه الردى بنفسه أما اني قد علمت من سريرته ان تلف نفسه أحب إليه من أن تؤخذ شعرة من شعر ابن عمه انزلا إليه فاحفظاه وأكلاه إلى الصبح فلم تزل عين المشركين تلحظه والملائكة الكرام تحفظه إلى أن كان وقت الصبح وهجم المشركون
(٢٠٧)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 202 203 204 205 206 207 208 209 210 211 212 ... » »»