البحر الرائق - ابن نجيم المصري - ج ١ - الصفحة ٢٢٩
تنجس الجلد باللحم مشكل فإنه يقتضي طهارة الجلد من غير توقف على الذكاة أو الدباغة كما لا يخفى. وفي مبسوط شيخ الاسلام ذكر محمد نجاسة سؤر السباع ولم يبين أنها خفيفة أم غليظة، فعن أبي حنيفة في غير رواية الأصول غليظة، وعن أبي يوسف أن سؤر ما لا يؤكل لحمه كبول ما يؤكل لحمه. كذا في معراج الدراية. ومما سيأتي في سبب التغليظ والتخفيف يظهر وجه كل من الروايتين، فالذي يظهر ترجيح الأولى لما عرف من أصله.
قوله (والهرة والدجاجة المخلاة وسباع الطير وسواكن البيوت مكروه) أي سؤر هذه الأشياء مكروه. وفي التبيين: وإعرابه بالرفع أجود على ما تقدم. قال المصنف في المستصفى:
ويعني من السؤر المكروه أنه طاهر لكن الأولى أن يتوضأ بغيره أه‍. واعلم أن المكروه إذا أطلق في كلامهم فالمراد منه التحريم إلا أن ينص على كراهة التنزيه فقد قال المصنف في المستصفى: لفظ الكراهة عند الاطلاق يراد بها التحريم. قال أبو يوسف: قال لأبي حنيفة رحمه الله إذا قلت في شئ أكره فما رأيك فيه؟ قال: التحريم أه‍. وقد صرحوا بالخلاف في كراهة سؤر الهرة فمنهم كالطحاوي من مال إلى أنها كراهة تحريم نظرا إلى حرمة لحمها، ومنهم كالكرخي من مال إلى كراهة التنزيه نظرا إلى أنها لا تتحامى النجاسة. قالوا: وهو الأصح وهو ظاهر ما في الأصل فإنه قال: وإن توضأ بغيره أحب إلي. لكن صرح بالكراهة في الجامع الصغير فكانت للتحريم لما تقدم. وأما سؤر الدجاجة المخلاة فلم أر من ذكر خلافا في المراد من الكراهة بل ظاهر كلامهم أنها كراهة تنزيه بلا خلاف لأنها لا تتحامى النجاسة، وكذا في سباع الطير وسواكن البيوت. أما سؤر الهرة فظاهر ما في شروح الهداية أن أبا يوسف مع أبي حنيفة ومحمد في ظاهر الرواية وعن أبي يوسف أنه لا بأس بسؤرها، وظاهر ما في المنظومة وغيرها أن أبا يوسف مخالف لهما مستدلا بما عن كبشة بنت كعب بن مالك وكانت تحت أبي قتادة قالت: دخل عليها أبو قتادة فسكبت له وضوءا فجاءت هرة تشرب منه فأصغى لها الاناء حتى شربت قالت كبشة: فرآني أنظر إليه فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟
فقلت: نعم. قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إنها ليست بنجس أنها من الطوافين عليكم والطوافات. رواه أبو داود والترمذي وابن حبان في صحيح والحاكم في المستدرك ومالك
(٢٢٩)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 224 225 226 227 228 229 230 231 232 233 234 ... » »»
الفهرست