مصباح الفقيه (ط.ق) - آقا رضا الهمداني - ج ٣ - الصفحة ١٧٦
ذلك ان المقصود بالحصر في مثل هذه الروايات الاحتراز عن سائر الأشياء التي يتوهم منافاته للصوم لا مطلقا بحيث يعم بعض مصاديق الاكل كما يومى إليه قول الصادق عليه السلام في خبر أبي بصير الصيام من الطعام والشراب والانسان ينبغي له ان يحفظ لسانه عن اللغو والباطل في رمضان وغيره والحاصل انه لا يفهم من مثل هذه الأخبار ما ينافي تعلق الحكم بالاجتناب بطبيعة الأكل والشرب من حيث هي نعم قد يوهمه خبر مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله عليه السلام عن ابائه ان عليا عليه السلام سئل عن الذباب يدخل حلق الصائم قال ليس عليه قضاء لأنه ليس بطعام حيث إن المتبادر منها إرادة نفى الباس عنه لعدم كونه مما يؤكل ولكن الظاهر عدم إرادة هذا المعني منه ولذا لا يفهم منه انه لو اكل الذباب اختيارا حتى شيع لا يبطل بذلك صومه بل المراد به انه في مثل الفرض ليس بطعام يعنى لا يسمى اكلا نظير ما ورد في صحيحة ابن أبي يعفور من تعليل نفى الباس عن الاكتحال بأنه ليس بطعام إذ الظاهر أن المراد به ان الاكتحال ليس اكلا لا ان الكحل ليس من جنس المأكول والا لفهم منه فساد الصوم فيما لو اكتحل بدقيق ونحوه مما هو مما يؤكل مع أنه لا يفهم منه ذلك بل يفهم عدمه ولو سلم ظهور مثل هذه الأخبار في نفى الباس عن اكل ما لا يعتاد اكله فلا ينبغي الالتفات إليه بعد شذوذ القول به على تقدير تحققه في مقابل ما عرفت والله العالم ويجب أيضا الامساك عن الجماع المتحقق بادخال الحشفة أو قدرها من مقطوع الذكر كما تقدم البحث عنه في مبحث غسل الجنابة وان لم ينزل في القبل للمرأة اجماعا كما صرح به غير واحد ويدل عليه ظاهر الكتاب والسنة اما الكتاب فقوله تعالى أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله انكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالا ان باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك حدود الله الآية فان ظاهرها بل كاد ان يكون صريحها وجوب الامساك في اليوم بعد طلوع الفجر عن جميع المذكورات التي أحلها الله تعالى في الليل وهى مباشرة النساء والأكل والشرب وفي تفريع قوله تعالى فالآن باشروهن على ما قبله اشعار بكونه محظورا في صدر الاسلام وقد من الله تعالى على المسلمين بان وضع عنهم هذا التكليف واحله لهم ليلة الصيام وقد وقع التصريح بذلك في بعض الأخبار الواردة في بيان سبب نزول الآية مثل ما عن علي بن إبراهيم في تفسيره مرفوعا قال قال الصادق عليه السلام كان النكاح والاكل محرمين في شهر رمضان بالليل بعد النوم يعنى كل من صلى العشاء ونام ولم يفطر ثم انتبه حرم عليه الافطار وكان النكاح حراما بالليل والنهار في شهر رمضان وكان رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقال له خوات بن جبير أخو عبد الله بن جبير شيخا كبيرا ضعيفا وكان صائما فأبطأت عليه امرأته فنام قبل ان يفطر فلما انتبه قال لأهله قد حرم على الاكل في هذه الليلة فلما أصبح حضر حفر الخندق فأغمي عليه فرآه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرق له وكان قوم من الشبان ينكحون بالليل سرا في شهر رمضان فأنزل الله أحل لكم ليلة الصيام وعن السيد المرتضى قد سره سره في رسالة المحكم والمتشابه عن تفسير النعماني بسنده عن أمير المؤمنين عليه السلام ونحوه وعن الكشاف والبيضاوي انه كان في أول فرض الصوم إذا امسى الرجل حل الأكل والشرب والجماع إلى أن يصلى العشاء الآخرة أو يرقد فإذا صليها أو رقد ولم يفطر حرم عليه ذلك إلى القابلة ثم إن عمر واقع أهله بعد صلاة العشاء الآخرة فلما اغتسل لام نفسه فاتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم واعتذر إليه من نفسه واخبره بما فعل فقال صلى الله عليه وآله وسلم ما كنت جديرا بذلك يا عمر فقام رجال فاعترفوا بما كانوا صنعوا بعد العشاء فنزلت الآية وما في هذين التفسيرين من حليته أول الليل قبل النوم والصلاة مخالف لظاهر الخبر المروى عن الإمام عليه السلام وان كان يوهمه صدره وكيف كان فالآية ولو بمعونة ما ورد في تفسيرها نص في المدعى وأما السنة فمنها صحيحة محمد بن مسلم قال سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول لا يضر الصائم إذا اجتنب اربع خصال الطعام والشراب والنساء والارتماس في الماء إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة التي سيمر عليك عند التعرض لاحكامه إنشاء الله وعن الجماع في دبر المرأة اما مع الانزال فمما لا شبهة فيه بل لا خلاف فيه بنى العلماء كما صرح به بعض ويشهد له فحوى ما سيأتي من الافطار بالانزال بغير الوطي وأما بدونه فكذلك على الأظهر الأشهر بل المشهور كما في الجواهر بل عن الخلاف والوسيلة الاجماع عليه وعن المعتبر انه اشهر الروايتين وعن الغنية الاجماع على الفساد بالجنابة عمدا فيدخل فيه الجماع في دبر المرأة كما عرفته في مبحث الجنابة ويدل على المدعى عموم الآية الصحيحة المتقدمة الدالة على وجوب الاجتناب عن مباشرة النساء التي يكنى بها في مثل هذه المورد عن نكاحهن كلفظ اتيان الأهل ونحوه من الكنايات الواردة في الاخبار الآتية وصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال سئلت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يعبث باهله في شهر رمضان حتى يمنى قال عليه من الكفارة مثل ما على الذي يجامع وصحيحته الأخرى عن أبي عبد الله عليه السلام قال سئلته عن رجل عبث بامرأته وهو محرم من غير جماع أو فعل ذلك في شهر رمضان فقال عليهما من الكفارة مثل ما على الذي يجامع ومرسلة حفص بن سوقة عن أبي عبد الله عليه السلام في الرجل يلاعب أهله أو جاريته في قضاء شهر رمضان فيسبقه الماء فينزل قال عليه من الكفارة مثل ما على الذي جامع في شهر رمضان ومضمرة سماعة قال سئلته عن رجل اتى أهله في رمضان متعمدا فقال عليه عتق رقبة واطعام ستين مسكينا وصيام شهرين متتابعين وقضاء ذلك اليوم وانى له مثل ذلك اليوم ورواية عبد السلام بن صالح الهروي الآتية إلى غير ذلك من الاخبار التي وقع فيها الحكم معلقا على عنوان النكاح أو الوطي أو إصابة الأهل ونحوها من العناوين الصادقة على الوطي في الدبر وانصراف مثل هذه الأخبار إلى الوطي الموجب للانزال أو خصوص الوطي في القبل ان سلم فبدوى يزول بعد الالتفات إلى سببية نفس الجماع من حيث هو للجنابة والافطار في الجملة وان الدبر أحد المأتيين الذين رتب الشارع عليهما احكام الجماع كما يشهد له مرسلة حفص بن سوقة قال سئلت أبا عبد الله عليه السلام عن الرجل يأتي أهله من خلفها قال هو أحد المأتيين فيه الغسل فإنها كالنص في أن الأحكام الثابتة للجماع تترتب على الوطي في الدبر أيضا لأنه أحد فرديه ومن هنا يعلم أنه يفسد صوم المرأة أيضا إذ الجماع موجب لفساد صوم الطرفين لا خصوص الرجل بلا خلاف في ذلك ولا اشكال كما سيتضح لك ذلك في مبحث الكفارات ولا يصلح المعارضة
(١٧٦)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 171 172 173 174 175 176 177 178 179 180 181 ... » »»