الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل - الزمخشري - ج ٣ - الصفحة ١٤٩
قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربى ليبلوني أأشكر أم كفر؟ ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربى غنى كريم.
قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدى أم تكون من الذين لا يهتدون. فلما جاءت قيل أهكذا عرشك
____________________
وقيل " يا إلهنا وإله كل شئ إلها واحدا لا إله إلا أنت " وقيل " يا ذا الجلال والإكرام " وعن الحسن رضي الله عنه الله والرحمن. وقيل هو آصف بن برخيا كاتب سليمان عليه السلام وكان صديقا عالما، وقيل اسمه أسطوم، وقيل هو جبريل، وقيل ملك أيد الله به سليمان، وقيل هو سليمان نفسه، كأن استبطأ العفريت فقال له أنا أريك ما هو أسرع مما تقول. وعن ابن لهيعة: بلغني أنه الخضر عليه السلام علم من الكتاب المنزل وهو علم الوحي والشرائع وقيل هو اللوح، والذي عنده علم منه جبريل عليه السلام. وآتيك في الموضعين يجوز أن يكون فعلا واسم فاعل الطرف: تحريك أجفانك إذا نظرت فوضع موضع النظر، ولما كان الناظر موصوفا بإرسال الطرف في نحو قوله:
وكنت إذا أرسلت طرفك رائدا * لقلبك يوما أتعبتك المناظر وصف برد الطرف ووصف الطرف بالارتداد، ومعنى قوله (قبل أن يرتد إليك طرفك) أنك ترسل طرفك إلى شئ فقبل أن ترده أبصرت العرش بين يديك. ويروى أن آصف قال لسليمان: مد عينيك حتى ينتهى طرفك، فمد عينيه فنظر نحو اليمين ودعا آصف فغار العرش في مكانه بمأرب ثم نبع عند مجلس سليمان عليه السلام بالشام بقدرة الله قبل أن يرد طرفه. ويجوز أن يكون هذا مثلا لاستقصار مدة المجئ به كما تقول لصاحبك افعل كذا في لحظة وفى ردة طرف والتفت ترني وما أشبه ذلك تريد السرعة (يشكر لنفسه) لأنه يحط عنها عب ء الواجب ويصونها عن سمعة الكفران وترتبط به النعمة ويستمد المزيد، وقيل: الشكر قيد للنعمة الموجودة وصيد للنعمة المفقودة. وفى كلام بعض المتقدمين: إن كفران النعمة بوار، وقلما أقشعت نافرة فرجعت في نصابها فاستدع شاردها بالشكر واستدم راهنها بكرم الجوار. واعلم أن سبوغ ستر الله متقلص عما قريب إذا أنت لم ترج لله وقارا (غنى) عن الشكر (كريم) بالإنعام على من يكفر نعمته والذي قاله سليمان عليه السلام عند رؤية العرش شاكرا لربه جرى على شاكلة أبناء جنسه من أنبياء الله والمخلصين من عباده، يتلقون النعمة القادمة بحسن الشكر كما يشيعون النعمة المودعة بجميل الصبر (نكروا) اجعلوه متنكرا متغيرا عن هيئته وشكله كما يتنكر الرجل للناس لئلا يعرفوه قال: وسعوه وجعلوا مقدمه مؤخره وأعلاه أسفله. وقرئ ننظر بالجزم على الجواب وبالرفع على الاستئناف (أتهتدى) لمعرفته أو للجواب الصواب إذا سئلت عنه أو للدين والإيمان بنبوة سليمان عليه السلام إذا رأت تلك
(١٤٩)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 144 145 146 147 148 149 150 151 152 153 154 ... » »»