شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد - ج ٥ - الصفحة ١١٦
أحداثا! نعم والله إن أصحابي لشباب مكتهلون (1) في شبابهم، غضيضة عن الشر أعينهم، ثقيلة عن الباطل أقدامهم (2)، قد باعوا أنفسا تموت غدا بأنفس لا تموت أبدا، قد خلطوا كلالهم بكلالهم، وقيام ليلهم بصيام نهارهم، محنية أصلابهم على أجزاء القرآن، كلما مروا بآية خوف شهقوا خوفا من النار، وكلما مروا بآية رجاء شهقوا شوقا إلى الجنة، وإذا نظروا إلى السيوف وقد انتضيت، وإلى الرماح وقد أشرعت، وإلى السهام وقد فوقت، وأرعدت الكتيبة بصواعق الموت، استخفوا وعيدها عند وعيد الله، وانغمسوا فيها.
فطوبى لهم وحسن مآب! فكم من عين في منقار طائر طالما بكى بها صاحبها من خشية الله! وكم من يد قد أبينت عن ساعدها، طالما اعتمد عليها صاحبها راكعا وساجدا في طاعة الله! أقول قولي هذا وأستغفر الله، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.
وأما الخطبة الثانية، فقوله:
يا أهل المدينة، مالي رأيت رسم الدين فيكم عافيا، وآثاره دارسة! لا تقبلون عظة، ولا تفقهون من أهله حجة، قد بليت فيكم جدته، وانطمست عنكم سنته، ترون معروفه منكرا، والمنكر من غيره معروفا، فإذا انكشفت لكم العبر، وأوضحت لكم النذر، عميت عنها أبصاركم، وصمت عنها آذانكم، ساهين في غمرة، لاهين في غفلة، تنبسط قلوبكم للباطل إذا نشر، وتنقبض عن الحق إذا ذكر، مستوحشة من العلم، مستأنسة بالجهل، كلما وردت عليها موعظة زادتها عن الحق نفورا، تحملون قلوبا في صدوركم كالحجارة أو أشد قسوة من الحجارة، فهي لا تلين بكتاب الله، الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشيه الله!

(1) مكتهلون، أي قد أحرزوا رزانة الكهول.
(2) ج: (أرجلهم).
(١١٦)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 111 112 113 114 115 116 117 118 119 120 121 ... » »»
الفهرست
الرقم العنوان الصفحة
1 58 - من كلام عليه السلام لما عزم على حرب الخوارج وقيل له إن القوم قد عبروا جسر النهروان 3
2 بدء ظهور الغلاة 5
3 طرق الإخبار بالمغيبات 9
4 59 - من كلامه لما قتل الخوارج فقيل له يا أمير المؤمنين هلك القوم بأجمعهم 14
5 الكناية والرموز والتعريض وذكر مثل منها 15
6 الفرق بين الكناية والتعريض 59
7 مقتل الوليد بن طريف الخارجي ورثاء أخته له 73
8 خروج ابن عمرو الخثعمي وأمره مع محمد بن يوسف الطائي 74
9 ذكر جماعة ممن كان يرى رأي الخوارج 76
10 60 - من كلام له عليه السلام في الخوارج 78
11 عود إلى أخبار الخوارج وذكر رجالهم وحروبهم 80
12 مرداس بن حدير 82
13 عمران بن حطان 91
14 المستورد السعدي 97
15 حوثرة الأسدي 98
16 أبو الوازع الراسبي 102
17 عمران بن الحارث الراسبي 103
18 عبد الله بن يحيى والمختار بن عوف 106
19 خطب أبي حمزة الشاري 114
20 أخبار متفرقة عن أحوال معاوية 129
21 61 - من كلام له لما خوف الغيلة 132
22 اختلاف الناس في الآجال 133
23 62 - من كلام له في وصف الدنيا 140
24 63 - من كلام له في الحض على الزهد والاستعداد لما بعد الموت 145
25 عظة للحسن البصري 147
26 من خطب عمر بن عبد العزيز 150
27 من خطب ابن نباتة 151
28 64 من خطبة له في تنزيه الله سبحانه وتقديسه 153
29 اختلاف الأقوال في خلق العالم 157
30 65 - من كلام له كان يقوله لأصحابه في بعض أيام صفين 168
31 من أخبار يوم صفين 175