مواهب الجليل - الحطاب الرعيني - ج ١ - الصفحة ٤١
الأبياني: ما زال مالك بعد ذلك الضرب في رفعة من الناس وإعظام حتى كأنما كانت تلك الأسواط إلا حليا حلى به رحمه الله. وقال الجلال السيوطي في حاشية الموطأ في كتاب الجهاد:
كتب عبد الله العمرى إلى مالك يحضه على الانفراد والعمل وترك اجتماع له في الناس عليه في العلم، فكتب إليه مالك: إن الله قسم الأعمال كما قسم الأرزاق، فرب رجل فتح له في الصلاة ولم يفتح له في الصوم، وآخر فتح له في الصدقة ولم يفتح له في الصوم، آخر فتح له في الجهاد ولم يفتح له في الصلاة، ونشر العلم وتعليمه من أفضل أعمال البر، وقد رضيت بما فتح الله لي من ذلك، وما أظن ما أنا فيه بدون ما أنت فيه، وأرجو أن يكون كلنا على خير، ويجب على كل واحد منا أن يرضى بما قسم الله له والسلام اه‍.
وفي مختصر المدارك قال: سأل رجل مالكا عن شئ من علم الباطن فغضب وقال:
إن علم الباطن لا يعرفه إلا من عرف الظاهر فإنه متى عرفه وعمل به فتح الله له علم الباطن، ولا يكون ذلك إلا مع فتح القلب وتنويره، ثم قال للرجل: عليك بالدين المحض وإياك وبنيات الطرق، وعليك بما تعرف واترك ما لا تعرف. وقال رضي الله عنه: طلب العلم حسن لمن رزق خيره، وهو قسم الله عز وجل، ولكن انظر ما يلزمك من حين تصبح إلى حين تمسي فالزمه. وقال: ليس العلم بكثرة الرواية وإنما هو نور يضعه الله في القلوب. وقال: شر العلم الغريب وخير العلم الطاهر الذي رواه الناس. وقال البن وهب: أد ما سمعت وحسبك ولا تحمل لأحد على ظهرك فإنه كان يقال: أخسر الناس من باع آخرته بدنياه، وأخسر منه من باع آخرته بدنيا غيره. وقيل: ينبغي للرجل إذا خول علما وكان رأسا يشار إليه بالأصابع أن يضع التراب على رأسه ويعتب نفسه إذا خلا بها ولا يفرح بالرئاسة فإنه إذا اضطجع في قبره وتوسد التراب ساءه ذلك كله. وقال: إن المسألة إذا سئل عنها الرجل فلم يجب واندفعت عنه فإنما نهى بلية صرفها الله عنه. وقال: من صدق في حديثه منع بعقله ولم يصبه ما يصيب الناس من الهرم والخرف. وقال: لا يصلح الرجل حتى يترك ما لا يعنيه ويشتغل بما يعنيه، فإذا فعل ذلك يوشك أن يفتح له قلبه. وقال: ما زهد أحد فيها إلا أنطقه الله بالحكمة. وقال: عليك بمجالسة من يزيد في عملك قوله، ويدعوك إلى الآخرة فعله، وإياك ومجالسة من يضلك قوله، ويدعوك إلى الدنيا فعله. وقال له رجل: أوصني، فقال: إذا هممت بأمر من طاعة الله فلا تحسبه فواقا حتى تمضيه فإنك لا تأمن الأحداث، وإذا هممت بغير ذلك فإن استطعت أن تعمل الحق واقرأ (والله لا يستحيى من الحق) (الأحزاب: 53) وطهر ثيابك ونقها من معاصي الله، وعليك بمعالي الأمور وكبارها واتق رذائلها وسفاسفها فإن الله يحب متعالي الأخلاق، وأكثر تلاوة القرآن واجتهد في الخير واذهب حيث شئت وقال: كثرة الكلام تمج العالم وتذله وتنقصه، ومن عمل هذا ذهب بهاؤه ولا
(٤١)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 ... » »»
الفهرست