الكتاب المقدس - مجمع الكنائس الشرقية - الصفحة ٤٥٩
بولس في أي رسالة أخرى ما استعمله في هذه الرسالة من فنون الخطابة، أمثال العبارات هذه:
" فماذا نقول؟ " و " افتجهلون " و " أيها الإنسان، أيا كنت ".. فإن كثرة هذه العبارات الخطابية تدل على أن الذي يخاطبه بولس ليس إلا شخصا وهميا، وفقا لأساليب الفلسفة الشعبية في ذلك الزمان.
ما في هذه الرسالة من قلة الصلة بالزمان، ومن شدة في صبغتها العقائدية، يبين الأسباب التي من أجلها أراد بعض الناس أن يعدها " خلاصة لاهوتية ". غير أن ما فيها من إغفال لكثير من الأمور يحول دون أن تعد " خلاصة العقيدة المسيحية "، بل ولا ملخصا لتفكير بولس اللاهوتي. إن الفرق الشاسع بين الرسالة إلى أهل رومة والرسالتين إلى أهل قورنتس، لا في الانشاء فحسب، بل في الموضوعات أيضا، مع أنها تعود كلها إلى الوقت نفسه، جدير بأن يسترعي الانتباه. يسود الرسالتين إلى أهل قورنتس موضوعان أحدهما قريب من الآخر: فقد دافع بولس فيهما عن سلطته الرسولية أو كافح في سبيل وحدة كنيسة قورنتس وبنيانها. أما الرسالة إلى أهل رومة، فيسعنا القول أن الكلام لا يدور فيها أبدا على الكنيسة، أقل ما يكون على وجه صريح، ما عدا الوصايا العملية الواردة في الفصول الأخيرة. فالتعليم الكبير الذي يتناول القربان المقدس في الرسالة إلى أهل قورنتس (1 قور 11 / 17 - 34) لا نظير له في الرسالة إلى أهل رومة، وإذا كان الروح القدس في الرسالتين إلى أهل قورنتس ينبوع المواهب لخير الجماعة والخدمات المنظمة، فإنه في الفصل الثامن من الرسالة إلى أهل رومة مصدر الحرية الشخصية والصلاة الشخصية في الإنسان، ومع ذلك فإن الرسالتين إلى أهل قورنتس لم تبقيا بلا صدى في الرسالة إلى أهل رومة. فإننا نجد في كل منها صورة الكنيسة جسد المسيح (1 قور 12 / 12 - 27 وروم 12 / 4 - 6) وموضوع المسيح آدم الآخر (1 قور 15 وروم 5).
وإذا كان لا يسوغ لنا أن نعد الرسالة إلى أهل رومة ملخصا لتفكير بولس اللاهوتي، وكم بالأحرى ما يعادل المعتقد المسيحي بمعنى الكلمة في عصرنا، فقد يجوز لنا مع ذلك أن نصفها بأنها عرض لما سماه بولس نفسه مرتين في الرسالة " بشارته " (2 / 16 و 16 / 25) وما عده لب البشرى التي بلغها الأمم.
[2. مؤلف وليد الأحداث] ما في الرسالة إلى رومة من طابع لازمني عام لا ينفي أنها " مرتبطة بأحداث تاريخية " وأنها تجيب عن أشد المشاكل التي كانت تتعرض لها الكنيسة في ذلك الزمان. يقول بعض المفسرين بأن الكنيسة، وإن لم تذكر اللفظة نفسها، هي الهدف الذي تتجه إليه المعاني الجوهرية التي يتناولها فكر بولس في الرسالة. يشعر بولس بالخطر الذي يهدد الكنيسة في ذلك الحين من تاريخها: فهي معرضة للانقسام إلى جماعتين، الواحدة يهودية مسيحية وريثة المجمع، والأخرى جماعة الوثنيين المهتدين إلى المسيحية، وهو يعرف أنه رسولها. فإذا انقسمت الكنيسة، بقيت هذه الجماعة منفصلة عن الجماعة الأولى، لا صلة لها بالماضي. لقد أقنعته الأزمات الحديثة التي زعزعت كنيستي غلاطية وقورنتس بأن الحالة جسيمة. فلما كتب بولس رسالته، لم يكن يعرف معرفة أكيدة كيف يتلقاها المسيحيون في أورشليم. فلا عجب أنه أراد، برسالة موجهة إلى حلقة من القراء واسعة، أن ينوه بوحدة الوحي في
(٤٥٩)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 452 453 455 457 458 459 460 461 462 463 464 ... » »»
الفهرست
الرقم العنوان الصفحة