تفسير الآلوسي - الآلوسي - ج ٢٨ - الصفحة ٧
العزم لا تتقرر الكفارة حتى لو أبانها أو ماتت من بعد العزم فلا كفارة فهذا دليل على أنها غير واجبة لا بالظهار ولا بالعود إذ لو وجبت لما سقطت بل موجب الظهار ثبوت التحريم، فإذا أراد رفعه وجب عليه في رفعه الكفارة كما تقول لمن أراد الصلاة النافلة: يجب عليك إن صليتها أن تقدم الوضوء انتهى.
ولا يخفى أن إرادة المضاف غير متعين بناءا على ما نقل عن الكثير من المشايخ، وأن ظاهر الآية يفيد السببية كما ذكرنا آنفا، ويكون الموجب للكفارة الأمران، وبه صرح بعض الشافعية وجعل ذلك قياس كفارة اليمين، ثم قال: وينافي ذلك وجوبها فورا مع أن أحد سببيها - وهو العود - غير معصية لأنه إذا اجتمع حلال وحرام ولم يكن تميز أحدهما عن الآخر غلب الحرام، وظاهر كلام الإمام النووي عليه الرحمة أن موجبها الظهار والعود شرط فيه وهو بعكس ما نقل عن المحيط، ثم إن من جعل السبب العزم أراد به العزم المؤكد حتى لو عزم ثم بدا له أن لا يطأها لا كفارة عليه لعدم العزم المؤكد لا أنها وجبت بنفس العزم. ثم سقطت - كما قال بعضهم - لأنها بعد سقوطها لا تعود إلا بسبب جديد كذا في البدائع، وذكر ابن نجيم في " البحر " عن التنقيح أن سبب الكفارة ما نسيت إليه من أمر دائر بين الحظر والإباحة، ثم قال: إن كون كفارة الظهار كذلك على قول من جعل السبب مركبا من الظهار والعود ظاهر لكون الهظار محظورا والعود مباحا لكونه إمساكا بالمعروف ونقضا للزور.
وأما على القول بأن المضاف - إليه وهو الظهار سبب - وهو قول الأصوليين فكونه دائرا بين الحظر والإباحة مع أنه منكر من القول وزور باعتبار أن التشبيه يحتمل أن يكون للكرامة فلم يتمحض كونه جناية، واستظهر بعد أنه لا ثمرة للاختلاف في سببها معللا بأنهم اتفقوا على أنه لو عجلها بعد الظهار قبل العود جاز ولو كرر الظهار تكررت الكفارة وإن لم يتكرر العزم، ولو عزم ثم ترك فلا وجوب، ولو عزم ثم أبانها سقطت ولو عجلها قبل الظهار لم يصح، ثم إنه لا استحالة في جعل المعصية سببا للعبادة التي حكمها أن تكفر المعصية وتذهب السيئة خصوصا إذا صار معنى الزجر فيها مقصودا وإنما المحال أن تجعل سببا للعبادة الموصولة إلى الجنة انتهى، ولا يخلو عن حسن ما عدا توجيه كون الظهار دائرا بين الحظر والإباحة فإنه كما ترى.
وفسر بعضهم العود بالرجوع واللام بعن كما نقل عن الفراء أي ثم يرجعون عما قالوا: فيريدون الوطء، قال الزيلعي: وهذا تأويل حسن لأن الظهار موجبه التحريم المؤبد فإذا قصد وطأه وعزم عليه فقد رجع عما قال، ولا يخفى أن جعل اللام بمعنى عن خلاف الظاهر، وقيل: العود الرجوع، والمراد بما قالوا ما حرموه على أنفسهم بلفظ الظهار وهو التماس تنزيلا للقول منزلة المقول فيه نحو ما ذكر في قوله تعالى: * (ونثره ما يقول) * والمعنى ثم يريدون العود للتماس، وفيه تجوزان، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن معنى * (ثم يعودون) * ثم يندمون ويتوبون أي يعزمون على التوبة، كأنه حمل العود على التدارك والتائب متدارك لما صدر عنه بالتوبة.
واعترض بأنه يقتضي أنه إذا لم يندم لا تلزمه الكفارة وإذا جعلت الكفارة نفس التوبة فأين معنى العود؟ وأيضا لا معنى لقول القائل ثم يعزمون على الكفارة * (فتحرير) * الخ، والعود عند الشافعية يتحقق في غير مؤقت ورجعية بأن يمسكها على الزوجية ولو جهلا ونحوه بعد فراغ ظهاره ولو مكررا للتأكيد وبعد علمه بوجود الصفة في المعلق وإن نسي أو جن وجودها زمن إمكان فرقة شرعا فلا عود في نحو حائض إلا بالإمساك بعد انقطاع دمها لأن تشبيهها بالمحرم يقتضي فراقها فبعدم فعله صار ناقضا له متداركا لما قال، فلو اتصل بلفظ الظهار فرقة بموت. أو فسخ. أو انفساخ بنحو ردة قبل وطء أو طلاق بائن أو رجعي، ولم يراجع
(٧)
الذهاب إلى صفحة: «« « 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 ... » »»