تفسير الآلوسي - الآلوسي - ج ٢٨ - الصفحة ١٨
ولا يجوز في الكفارة إعطاء المسكين أقل من نصف صاع من البر مثلا فقط، ففي التاتار خانية لو أعطى ستين مسكينا كل مسكين مدا من الحنطة لم يجز، وعليه أن يعيد مدا آخر على كل فإن لم يجد الأولين فأعطى ستين آخرين كلا مدا لم يجز، ولو أعطى كلا من المساكين مدا ثم استغنوا ثم افتقروا فأعاد على كل مدا لم يجز، وكذا لو أعطى المكاتبين مدا مدا ثم ردوا إلى الرق ومواليهم أغنياء ثم كوتبوا ثانيا ثم أعاد عليهم لم يجز لأنهم صاروا بحال لا يجوز دفع الكفارة إليهم فصاروا كجنس آخر، وعليه فالمراد - بستين مسكينا - ستون مسكينا لم يعرض لهم في أثناء الإطعام ما ينافي ذلك، والظاهر أن فاعل إطعام هو المظاهر الغير المستطيع للصيام، ولا فرق بين أن يباشر ذلك أو يأمر به غيره، فإن أمر غيره فاطعم أجزأ لأنه استقراض معنى، فالفقير قابض له أولا ثم يتحقق تملكه ثم تمليكه، والمراد بالمسكين ما يعم الفقير، وقد قالوا: المسكين والفقير إذا اجتمعا افترقا وإذا اقترفا اجتمعا، ويشترط أن لا يكون المطعم أصله. أو فرعه. أو زوجته. أو مملوكه. أو هاشميا لمزيد شرفه فيجل عن هذه الغسالة، ولا حربيا ولو مستأمنا لمزيد خسته فليس أهلا لأدنى منفعة، ويجوز أن يكون ذميا ولو دفع بتحر فبان أنه ليس بمصرف أجزأه عندهما خلافا لأبي يوسف كما في البدائع.
واستنبط الشافعية من التعبير بعدم الوجود عند الانتقال إلى الصوم، وبعدم الاستطاعة عند الانتقال إلى الإطعام أنه لو كان له مال غائب ينتظره ولا يصوم ولو كان مريضا يرجى برؤه يطعم ولا ينتظر الصحة ليصوم، وهو موافق لمذهبنا في الصوم لا في الاطعام كما سمعت، ثم هذا الحكم في الأحرار أما العبد فلا يجوز له إلا الصوم لأنه لا يملك وإن ملك والاعتاق والإطعام شرطهما الملك فإن أعتق عنه المولى أو أطعم لم يجز ولو بأمره، ويجب تقديم الإطعام على المسيس فإن قريب المظاهر المظاهرة في خلاله أثم، ولم يستأنف لأنه عز وجل ما شرط فيه أن يكون قبل المسيس كما شرط فيما قبل، ونحن لا نحمل المطلق على المقيد وإن كانا في حادثة واحدة بعد أن يكونا حكمين، والوجوب قيل: لم يثبت إلا لتوهم وقوع الكفارة بعد التماس بيانه أنه لو قدر على العتق أو الصيام في خلال الاطعام أو قبله يلزمه التكفير بالمقدور عليه فلو جوز للعاجز عنهم القربان قبل الإطعام، ثم اتفق قدرته فلزمالتكفير به لزم أن يقع العتق بعد التماس، والمفضى إلى الممتنع ممتنع.
وتعقب بأن فيه نظرا فإن القدرة حال قيام العجز بالفقر والكبر والمرض الذي لا يرجى زواله أمر موهوم، وباعتبار الأمور الموهومة لا تثبت الأحكام ابتداءا بل يثبت الاستحباب ورعا فالأولى الاستدلال على حرمة المسيس قبل الإطعام لمن يتعين كفارة له بما ورد من حديث " اعتزالها حتى تكفر " ونحوه، وما ذكر من أنه لو قدر على العتق مثلا خلال الإطعام لزم التكفير به خالف فيه الشافعية.
قال ابن حجر عليه الرحمة: لا أثر لقدرته على صوم أو عتق بعد الاطعام ولو لمد كما لو شرع في صوم يوم من الشهرين فقدر على العتق، وأجاز بعض المسيس في خلال الاطعام من غير إثم، ونقل ذلك عن أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه وهو توهم نشأ من عدم إيجابه الاستئناف، وقد صرح في الكشاف بأنه لا فرق عند أبي حنيفة بين الكفارات الثلاث في وجوب تقديمها على المساس وإن ترك ذكره عند الإطعام للدلالة على أنه إذا وجد في خلال الإطعام لم يستأنف كما يستأنف الصوم.
وجعل بعضهم ذكر القيد فيما قبل وتركه في الإطعام دليلا لأبي حنيفة في قوله: بعدم الاستئناف أي مع الإثم.
وتعقبه ابن المنير في الانتصاف بأن لقائل أن يقول لأبي حنيفة: إذا جعلت الفائدة في ذكر عدم التماس
(١٨)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 ... » »»