تفسير الآلوسي - الآلوسي - ج ١٩ - الصفحة ٢١٦
وتعقب بأنه لا يناسب أساليب سرد القصص من عطف احدى القصتين على الأخرى لا على تتمة الأولى وذيلها كما لا يخفى * (أتأتون الفاحشة) * أي أتفعلون الفعلة المتناهية في القبح والسماجة، والاستفهام انكاري. وقوله تعالى: وأنتم تبصرون) * جملة حالية من فاعل * (تأتون) * مفيدة لتأكيد الإنكار فإن تعاطى القبيح من العالم بقبحه أقبح وأشنع، و * (تبصرون) * من بصر القلب أي افتعلونها والحال أنتم تعلمون علما يقينيا كونها كذلك.
ويجوز أن يكون من بصر العين أي وأنتم ترون وتشاهدون كونها فاحشة على تنزيل ذلك لظهوره منزلة المحسوس، وقيل: مفعول * (تبصرون) * من المحسوسات حقيقة أي وأنتم تبصرون آثار العصاة قبلكم أو وأنتم ينظر بعضكم بعضا لا يستتر ولا يتحاشى من إظهار ذلك لعدم أكتراثكم به، ووجه إفادة الجملة على الاحتمالين تأكيد الإنكار أيضا ظاهر، وقوله تعالى:
* (أءنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النسآء بل أنتم قوم تجهلون) * * (أئنكم لتأتون الرجال شهوة) * تثنية للإنكار وبيان لما أتونه من الفاحشة بطريق التصريح بعد الإبهام، وتحلية الجملة بحرفي التأكيد للإيذان بأن مضمونها مما لا يصدق وقوعه أحد لكمال شناعته، وإيراد المفعول بعنوان الرجولية دون الذكورية لتربيته التقبيح وبيان اختصاصه ببني آدم، وتعليل الاتيان بالشهوة تقبيح على تقبيح لما أنها ليست في محله، وفيه إشارة إلى أنهم مخطؤون في محلها فعلا، وفي قوله تعالى: * (من دون النساء) * أي متجاوزين النساء اللاتي هن محال الشهوة إشارة إلى أنهم مخطئون فيه تركا، ويعلم مما ذكرنا أن * (شهوة) * مفعول له للإتيان، وجوز أن يكون حالا.
* (بل أنتم قوم تجهلون) * أي تفعلون فعل الجاهلين بقبح ذلك أو يجهلون العاقبة أو الجهل بمعنى السفاهة والمجون أي بل أنتم قوم سفهاء ماجنون كذا في الكشاف، وأيا ما كان فلا ينافي قوله تعالى: * (وأنتم تبصرون) * (النمل: 54) ولم يرتض ذلك الطيبي وزعم أن كلمة الاضراب تأباه: ووجه الآية بأنه تعالى لما أنكر عليهم فعلهم على الإجمال وسماه فاحشة وقيده بالحال المقررة لجهة الاشكال تتميما للإنكار بقوله تعالى: * (وأنتم تبصرون) * أراد مزيد ذلك التوبيخ والإنكار فكشف عن حقيقة تلك الفاحشة وأشار سبحانه إلى ما أشار ثم اضرب عن الكل بقوله سبحانه: * (بل أنتم) * الخ أي كيف يقال لمن يرتكب هذه الفحشاء وأنتم تعلمون فأولى حرف الاضراب ضمير * (أنتم) * وجعلهم قوما جاهلين والتفت في * (تجهلون) * موبخا معيرا اه‍ وفيه نظر. والقول بالالتفات هنا مما قاله غيره أيضا وهو التفات من الغيبة التي في * (قوم) * إلى الخطاب في * (تجهلون) * وتعقبه الفاضل السالكوتي بأنه وهم إذ ليس المراد بقوم قوم لوط حتى يكون المعبر عنه في الأسلوبين واحدا كما هو شرط الالتفات بل معنى كلي حمل على قوم لوط عليه السلام.
وقال بعض الأجلة: إن الخطاب فيه مع أنه صفة لقوم وهو اسم ظاهر - من قبيل الغائب لمراعاة المعنى لأنه متحد مع * (أنتم) * لحمله عليه، وجعله غير واحد مما غلب فيه الخطاب، وأورد عليه أن في التغليب تجوزا ولا تجوز هنا. وأجيب بأن نحو * (تجهلون) * موضوع للخطاب مع جماعة لم يذكروا بلفظ غيبة وهنا ليس كذلك فكيف لا يكون فيه تجوز، وقيل قولهم إن في التغليب تجوزا خارج مخرج الغالب، وقال الفاضل السالكوتي إن قوله تعالى: * (بل أنتم) * الخ من المجاز باعتبار ما كان فإن المخاطب في * (تجهلون) * باعتبار كون القوم مخاطبين في التعبير بأنتم فلا يرد أن اللفظ لم يتسعمل فيه في غير ما وضع له ولا الهيئة التركيبية ولم يسند الفعل إلى غير ما هو له فيكون هناك مجاز فافهم.
(٢١٦)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 206 207 208 209 210 211 212 213 214 215 216