الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل - الزمخشري - ج ٣ - الصفحة ٥٦٤
فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين.
____________________
أنه قال " يا ابن أم عبد هل تدرى كيف حكم الله فيمن بغى من هذه الأمة؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال:
لا يجهز على جريحها، ولا يقتل أسيرها، ولا يطلب هاربها، ولا يقسم فيئها " ولا تخلو الفئتان من المسلمين في اقتتالهما، إما أن يقتتلا على سبيل البغى منهما جميعا فالواجب في ذلك أن يمشى بينهما بما يصلح ذات البين ويثمر المكافة والموادعة فإن لم تتحاجزا ولم تصطلحا وأقامتا على البغى صير إلى مقاتلتهما، وإما أن يلتحم بينهما القتال لشبهة دخلت عليهما، وكلتاهما عند أنفسهما محقة، فالواجب إزالة الشبهة بالحجج النيرة والبراهين القاطعة واطلاعهما على مراشد الحق، فإن ركبتا متن اللجاج ولم تعملا على شاكلة ما هديتا إليه ونصحتا به من اتباع الحق بعد وضوحه لهما فقد لحقتا بالفئتين الباغيتين، وإما أن تكون إحداهما الباغية على الأخرى فالواجب أن تقاتل فئة البغى إلى أن تكف وتتوب، فإن فعلت أصلح بينها وبين المبغى عليها بالقسط والعدل. وفى ذلك تفاصيل إن كانت الباغية من قلة العدد بحيث لا منعة لها ضمنت بعد الفيئة ما جنت وإن كانت كثيرة ذات منعة وشوكة لم تضمن إلا عند محمد بن الحسن رحمه الله فإنه كان يفتى بأن الضمان يلزمها إذا فاءت، وأما قبل التجمع والتجند أو حين تتفرق عند وضع الحرب أوزارها فما جنته ضمنته عند الجميع، فمحل الإصلاح بالعدل في قوله تعالى (فأصلحوا بينهما بالعدل) على مذهب محمد واضح منطبق على لفظ التنزيل، وعلى قوله غيره وجهه أن يحمل على كون الفئة القليلة العدد، والذين ذكروا أن الغرض إماتة الضغائن وسل الأحقاد دون ضمان الجنايات ليس بحسن الطباق للمأمور به من أعمال العدل ومراعاة القسط. فإن قلت: فلم قرن بالإصلاح الثاني العدل دون الأول؟ قلت: لأن المراد بالاقتتال في أول الآية أن يقتتلا باغيتين معا أو راكبتي شبهة،، وأيتهما كانت فالذي يجب على المسلمين أن يأخذوا به في شأنهما إصلاح ذات البين وتسكين الدهماء بإرادة الحق والمواعظ الشافية ونفى الشبهة إلا إذا أصرتا فحينئذ تجب المقاتلة، وأما الضمان فلا يتجه وليس كذلك إذا بغت إحداهما فإن الضمان متجه على الوجهين المذكورين (وأقسطوا) أمر باستعمال القسط على طريق العموم بعد ما أمر به في إصلاح ذات البين، والقول فيه مثله في الأمر باتقاء الله على عقب النهى عن التقديم بين يديه. والقسط بالفتح الجور من القسط وهو اعوجاج في الرجلين وعود قاسط يابس وأقسطته الرياح، وأما القسط بمعنى العدل فالفعل منه أقسط وهمزته للسلب: أي أزال القسط وهو الجور، هذا تقرير لما ألزمه من تولى الإصلاح بين من وقعت بينهم المشاقة من المؤمنين، وبيان أن الإيمان قد عقد بين أهله من السبب القريب والنسب اللاصق ما إن لم يفضل الأخوة ولم يبرز عليها لم ينقص عنها ولم يتقاصر عن غايتها، ثم قد جرت جادة الناس على أنه إذا نشب مثل ذلك بين اثنين من إخوة الولاد لزم السائر أن يتناهضوا في رفعه وإزاحته ويركبوا الصعب والذلول مشيا بالصلح وبثا للسفراء بينهما إلى أن يصادف ما وهى من الوفاق من يرقعه وما استشن من الوصال من يبله، فالإخوة في الدين أحق بذلك وبأشد منه. وعن النبي صلى الله عليه وسلم " المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يعيبه ولا يتطاول عليه في البنيان فيستر عنه الريح إلا بإذنه ولا يؤذيه بقتار قدره، ثم قال: احفظوا ولا يحفظ منكم إلا قليل ". فإن قلت: فلم خص الاثنان بالذكر دون الجمع؟ قلت: لأن أقل من يقع بينهم الشقاق اثنان، فإذا لزمت المصالحة بين الأقل كانت بين الأكثر ألزم لأن الفساد في شقاق الجمع أكثر منه في شقاق الاثنين. وقيل المراد بالأخوين الأوس والخزرج. وقرئ بين إخوتكم وإخوانكم، والمعنى:
(٥٦٤)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 559 560 561 562 563 564 565 566 567 568 569 ... » »»