الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل - الزمخشري - ج ٣ - الصفحة ٢٩
وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للاكلين. وإن لكم في الانعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون. وعليها وعلى الفلك تحملون. ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره أفلا تتقون. فقال الملا الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين.
____________________
ووصف النخل والعنب بأن ثمرها جامع بين أمرين بأنه فاكهة يتفكه بها وطعام يؤكل رطبا ويابسا رطبا وعنبا وتمرا وزبيبا والزيتون بأن دهنه صالح للاستصباح والاصطباغ جميعا، ويجوز أن يكون قوله - ومنها تأكلون - من قولهم يأكل فلان من حرفة يحترفها ومن ضيعة يغتلها ومن تجارة يتربح بها: يعنون أنها طعمته وجهته التي منها يصحل رزقه كأنه قال: وهذه الجنات وجوه أرزاقكم ومعايشكم منها ترتزقون وتتعيشون (وشجرة) عطف على جنات، وقرئت مرفوعة على الابتداء: أي ومما أنشئ لكم شجرة (طو سناء) وطور سينين لا يخلو إما أن يضاف فيه الطور إلى بقعة اسمها سيناء وسينون، وإما أن يكون اسما للجبل مركبا من مضاف ومضاف إليه كامرئ القيش وكبعلبك فيمن أضاف، فمن كسر سين سيناء فقد منع الصرف للتعريف والعجمة أو التأنيث لأنها بقعة وفعلاء لا يكون ألفه للتأنيث كعلباء وحرباء ومن فتح فلم يصرف لان الألف للتأنيث كصحراء، وقيل هو جبل فلسطين، وقيل بين مصر وأيلة ومنه نودي موسى عليه السلام. وقرأ الأعمش سينا على القصر (بالدهن) في موضع الحال: أي تنبت وفيها الدهن، وقرئ تنبت. وفيه وجهان: أحدهما أن أنبت بمعنى نبت وأنشد لزهير:
رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم * قطينا لهم حتى إذا أنبت البقل والثاني أن مفعوله محذوف: أي تنبت زيتونها وفيه الزيت. وقرى تنبت بضم التاء وفتح الباء وحكمه حكم تنبت. وقرأ ابن مسعود تخرج الدهن وصبغ الاكلين، وغيره تخرج بالدهن، وفى حرف أبى تثمر بالدهن، وعن بعضهم تنبت بالدهان. وقرأ الأعمش وصبغا، وقرئ وصباغ ونحوهما دبغ ودباغ والصبغ الغمس للائتدام، وقيل هي أول شجرة نبتت بعد الطوفان ووصفها الله تعالى بالبركة في قوله - توقد من شجرة مباركة - قرئ تسقيكم بتاء مفتوحة: أي تسقيكم الانعام (ومنها تأكلون) أي تتعلق بها منافع من الركوب والحمل وغير ذلك كما تتعلق بما لا يؤكل لحمه من الخيل والبغال والحمير، وفيها منفعة زائدة وهى الاكل الذي هو انتفاع بذواتها، والقصد بالانعام إلى الإبل لأنها هي المحمول عليها في العادة، وقرنها بالفلك التي هي السفائن لأنها سفائن البر، قال ذو الرمة * سفينة بر تحت خدي زمامها * يريد صيدحه (غيره) بالرفع على المحل وبالجر على اللفظ، والجملة استئناف تجرى مجرى التعليل للامر بالعبادة (أفلا تتقون) أفلا تخافون أن ترفضوا عبادة الله الذي هو ربكم وخالقكم ورازقكم وشكر نعمته التي لا تحصونها واجب عليكم ثم تذهبوا فتعبدوا غيره مما ليس من استحقاق العبادة في شئ (أن يتفضل عليكم) أن يطلب الفضل عليكم ويرأسكم كقوله تعالى - وتكون لكما الكبرياء في الأرض - (بهذا) إشارة إلى نوح عليه السلام أو إلى ما كلمهم به من الحث على عبادة الله: أي ما سمعنا بمثل هذا الكلام، أو بمثل
(٢٩)
مفاتيح البحث: الأكل (1)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 ... » »»