عمدة القاري - العيني - ج ١٣ - الصفحة ٢٨١
(فرضيب القوم وعفوا) يدل على أن لا صلح فيه، فمن أين المطابقة؟ قلت: رواية الفزاري تدل على أن معنى: عفوا، يعني: عن القصاص، وفيه الجمع بين الروايتين فافهم. والحديث من ثلاثيات البخاري، وهي العاشرة منها.
ومحمد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري، ولي قضاء البصرة ثم قصاء بغداد أيام الرشيد، وولد سنة ثماني عشرة ومائة، ومات سنة خمس عشرة ومائتين، وحميد هو الطويل، وقد تكرر ذكره.
والحديث أخرجه البخاري في التفسير وفي الديات عن الأنصاري تارة مطولا وتارة مختصرا، وفي (صحيح مسلم) من رواية حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس: أن أخت الربيع أم حارثة جرحت إنسانا، وفيه: فقالت أم الربيع: والله لا تكسر ثنيتها، وكذا هو في (سنن النسائي) فرجح جماعة من العلماء رواية البخاري، وقرر النووي فجعلهما قضيتين، فينظر، لأن الأول رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة وابن أبي شيبة في آخرين.
ذكر معناه: قوله: (أن الربيع)، بضم الراء وفتح الباء الموحدة وتشديد الياء آخر الحروف المكسورة وفي آخره عين مهملة: بنت النضر، بفتح النون وسكون الضاد المعجمة: ابن ضمضم بن زيد بن حرام بن حبيب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار الأنصارية، وهي عمة أنس بن مالك، خادم رسول الله، صلى الله عليه وسلم. قوله: (ثنية جارية)، الثنية مقدم الأسنان، والجارية المرأة الشابة لا الأمة هنا، ليتصور القصاص بينهما. قوله: (فطلبوا الأرش)، أي: فطلب قوم الربيع من قوم الجارية أخذ الأرش. قوله: (وطلبوا العفو)، يعني: قالوا: خذوا الأرش أو اعفوا عن هذه، فأبوا، يعني: قوم الجارية امتنعوا فلا رضوا بأخذ الأرش ولا بالعفو، فعند ذلك أتوا النبي صلى الله عليه وسلم وتخاصموا بين يديه، فأمرهم النبي، صلى الله عليه وسلم بالقصاص. قوله: فقال أنس بن النضر، وهو عم أنس بن مالك، قتل يوم أحد شهيدا ووجد به بضعة وثمانون من ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم، وفيه نزلت: * (رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه) * (الأحزاب: 32). قوله: (أتكسر؟) الهمزة فيه للاستفهام، وتكسر على صيغة المجهول، ولم ينكر أنس حكم الشرع، والظاهر أن ذلك كان منه قبل أن يعرف أن (كتاب الله القصاص) وظن التخيير لهم بين القصاص والدية، أو كان مراده الاستشفاع من رسول الله، صلى الله عليه وسلم، أو قال ذلك توقعا ورجاء من فضل الله تعالى أن يرضي خصمها ويلقي في قلبه أن يعفو عنها. وقال الطيبي: كلمة: لا، في قوله: (لا والله)، ليس ردا للحكم بل نفي لوقوعه. ولفظ: (لا تكسر) إخبار عن عدم الوقوع، وذلك بما كان له عند الله من الثقة بفضل الله ولطفه في حقه أنه لا يخيبه، بل يلهمهم العفو، ولذلك قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره)، حيث يعلمه من جملة عباد الله المخلصين. قوله: (كتاب الله القصاص)، أي: حكم كتاب الله القصاص على حذف مضاف، وهو إشارة إلى قوله تعالى: * (والجروح قصاص) * (المائدة: 54). أو إلى قوله تعالى: * (والسن بالسن) * (المائدة: 54). أو إلى قوله تعالى: * (وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به) * (النحل: 621). أو الكتاب بمعنى الفرض والإيجاب. قوله: (لأبره) أي: صدقه، يقال بر الله قسمه وأبره. قوله: (زاد الفزاري)، بفتح الفاء وتخفيف الزاي والراء، وهو مروان بن معاوية بن الحارث الكوفي سكن مكة. شرفها الله، والفزاري ينسب إلى فزارة بن ذبيان بن بغيص بن ريث بن غطفان، وتعليق الفزاري أسنده البخاري في تفسير سورة المائدة، فقال: حدثنا محمد بن سلام عن مروان بن معاوية الفزاري، فذكره، والله أعلم.
ذكر ما يستفاد منه: فيه: وجوب القصاص في السن، قال النووي: وهو مجمع عليه إذا قلعها كلها، وفي كسر بعضها، وفي كسر العظام خلاف مشهور بين العلماء، والأكثرون على أنه: لا قصاص قال القرطبي: وذهب مالك إلى أن القصاص في ذلك كله إذا أمكنت المماثلة، وما لم يكن مخوفا كعظم الفخذ والصلب أخذا بقوله تعالى: * (فمن اعتدي عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) * (البقرة: 491). وبقوله تعالى: * (والسن بالسن) * (البقرة: 491). وذهب الكوفيون والليث والشافعي إلى أنه: لا قود في كسر العظام ما خلا السن لعدم الثقة بالمماثلة، وقال أبو داود: قيل لأحمد: كيف يقتص من السن؟ قال يبرد. وذكر ابن رشد في (القواعد) أن ابن عباس روى عنه (أن لا قصاص في عظم)، وكذا عن ابن عمر، قال: وروي عن رسول الله، صلى الله عليه وسلم: (لم يقد من العظم المقطوع في غير المفصل) إلا أنه ليس بالقوي. وفيه: جواز الحلف فيما يظنه الإنسان. وفيه: جواز الثناء على من لا يخاف عليه الفتنة بذلك. وفيه: دلالة على كرامات الأولياء. وفيه: استحباب العفو عن القصاص والشفاعة فيه. وفيه: إثبات القصاص بين النساء وفي الأسنان. وفيه: فضيلة أنس. وفيه: أن الخيرة في القصاص والدية إلى مستحقه لا إلى المستحق عليه.
(٢٨١)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 276 277 278 279 280 281 282 283 284 285 286 ... » »»