المبسوط - السرخسي - ج ٢٤ - الصفحة ٨٩
بين الاكراه على الزنا وبين الاكراه على القتل قال لا قود على المكره وعليه الحد ففي كل واحد من الموضعين الحرمة لا تنكشف بالاكراه ولكن القتل فعل يصلح أن يكون المكره فيه آلة للمكره فبسبب الالجاء يصير الفعل منسوبا إلى المكره ولهذا لزمه القصاص وإذا صار منسوبا إلى المكره صار المكره آلة فاما الزنا ففعل لا يتصور أن يكون المكره فيه آلة للمكره لان الزنا بآلة الغير لا يتحقق ولهذا لا يجب الحد على المكره فبقي الفعل مقصورا على المكره فيلزمه الحد ووجه قوله الآخر ان الحد مشروع للزجر ولا حاجة إلى ذلك في حالة الاكراه لأنه منزجر إلى أن يتحقق الالجاء وخوف التلف على نفسه فإنما كان قصده بهذا الفعل دفع الهلاك عن نفسه لا اقتضاء الشهوة فيصير ذلك شبهة في اسقاط الحد عنه وانتشار الآلة لا يدل على انعدام الخوف فقد تنتشر الآلة طبعا بالفحولة التي ركبها الله تعالى في الرجال وقد يكون ذلك طوعا (ألا ترى) أن النائم تنتشر آلته طبعا من غير اختيار له في ذلك ولا قصد ثم على القول الآخر قال أبو حنيفة رحمه الله إن كان المكره غير السلطان يجب الحد على المكره وقال أبو يوسف ومحمد إذا كان قادرا على ايقاع ما هدده به فلا حد على المكره سواء كان المكره سلطانا أو غيره قيل هذا اختلاف عصر فقد كان السلطان مطاعا في عهد أبي حنيفة ولم يكن لغير السلطان من القوة ما يقدر على الاكراه فأجاب بناء على ما شاهد في زمانه ثم تغير حال الناس في عهدهما وظهر كل متغلب في موضع فأجابا بناء على ما عاينا وقيل بل هو اختلاف حكم فوجه قولهما ان المعتبر في اسقاط الحد هو الالجاء وذلك بان يكون المكره قادرا على ايقاع ما هدد به لان خوف التلف للمكره بذلك يحصل (الا ترى) ان السلطان لو هدده وهو يعلم أنه لا يفعل ذلك به لا يكون مكرها وخوف التلف يتحقق عند قدرة المكره على ايقاع ما هدده به بل خوف التلف باكراه غير السلطان أظهر منه باكراه السلطان فالسلطان ذو أناة في الأمور لعلمه انه لا يفوته وغير السلطان ذو عجلة في ذلك لعلمه انه يفوته ذلك بقوة السلطان ساعة فساعة وأبو حنيفة لا يقول الالجاء لا يتحقق باكراه غير السلطان وإنما يتحقق باكراه السلطان لأنه لا يتمكن من دفع السلطان عن نفسه بالالتجاء إلى من هو أقوى منه ويتمكن من دفع اللص عن نفسه بالالتجاء بقوة السلطان فان اتفق في موضع لا يتمكن من ذلك فهو نادر والحكم إنما ينبنى على أصل السبب لا على الأحوال وباعتبار الأصل يمكن دفع اكراه غير السلطان بقوة السلطان ولا يمكن دفع اكراه السلطان بشئ ثم ما يكون
(٨٩)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 ... » »»
الفهرست
الرقم العنوان الصفحة
1 كتاب الأشربة 2
2 باب التعزير 35
3 باب من طبخ العصير 37
4 كتاب الاكراه 38
5 باب ما يكره عليه اللصوص غير المتأولين 47
6 باب الاكراه على العتق والطلاق والنكاح 62
7 باب ما يكره أن يفعله بنفسه أو ماله 66
8 باب تعدي العامل 72
9 باب الاكراه على دفع المال وآخذه 78
10 باب من الاكراه على الاقرار 83
11 باب من الاكراه على النكاح والخلع والعتق والصلح عن دم العمد 85
12 باب الاكراه على الزنا والقطع 88
13 باب الاكراه على البيع ثم يبيعه المشتري من آخر أو يعتقه 93
14 باب الاكراه على ما يجب به عتق أو طلاق 100
15 باب الإكراه على النذر و اليمين 105
16 باب اكراه الخوارج المتأولين 108
17 باب ما يخالف المكره فيه أمر به 109
18 باب الاكراه على أن يعتق عبده عن غيره 112
19 باب الاكراه على الوديعة وغيرها 119
20 باب التلجئة 122
21 باب العهدة في الاكراه 128
22 باب ما يخطر على بال المكره من غير ما أكره عليه 129
23 باب زيادة المكره على ما أمره به 132
24 باب الخيار في الاكراه 135
25 باب الاكراه فيما يوجب لله عليه أن يؤديه اليه 144
26 باب الاكراه في الوكالة 147
27 باب ما يسع الرجل في الاكراه وما لا يسعه 151
28 باب اللعان الذي يقضى به القاضي ثم يتبين أنه باطل 155
29 كتاب الحجر 156