مغني المحتاج - محمد بن أحمد الشربيني - ج ٣ - الصفحة ٩٠
ضمان التعدي كما في الباقي فيها إذ لا تعدي فيه. (ومتى صارت) أي الوديعة (مضمونة بانتفاع وغيره) مما مر، (ثم ترك الخيانة لم يبرأ) من الضمان، ولا يجوز له بعد التعدي حفظها كما في فتاوي البغوي، بل عليه ردها، بخلاف المرهون في يد المرتهن والمال في يد الوكيل بعد تعديهما. (فإن أحدث له المالك استئمانا) كقوله: استأمنتك عليها أو أبرأتك من ضمانها، أو أمره بردها إلى الحرز، (برئ في الأصح) لأنه أسقط حقه. والثاني: لا يبرأ حتى يردها إليه أو إلى وكيله، لخبر: على اليد ما أخذت حتى تؤديه.
تنبيه: احترز بقوله: أحدث عما لو قال له في الابتداء أودعتك، فإن خنت ثم تركت الخيانة عدت أمينا فخان ثم ترك الخيانة فلا يعود أمينا قطعا كما نقلاه عن المتولي وأقراه، لأنه إسقاط ما لم يجب وتعليق للوديعة. قال الأذرعي: ولا خفاه أن هذا الاستئمان إنما هو للمالك خاصة لا للولي والوكيل ونحوهما بل لا يجوز لهم ذلك، ولو فعلوه لم يعد أمينا قطعا. ولو أتلف الوديع الوديعة ثم أحدث له المالك استئمانا في البدل لم يبرأ بلا خلاف، لأن الواجب عليه أن يرد البدل إلى المالك. ثم شرع في الحكم الثالث، وهو ردها عند بقائها على مالكها إذا طلبها، فقال: (ومتى طلبها) أي الوديعة (المالك) أو وارثه بعد موته وهو أهل للقبض، (لزمه) أي الوديع (الرد) لقوله تعالى: * (إن الله يأمركم ان تؤدوا الأمانات إلى أهلها) *. أما إذا لم يكن أهلا للقبض كمحجور عليه فلا يلزمه الرد إليه، بل يحرم، فإن رد عليه ضمن.
ولو رد على المالك في حال سكره، قال القفال في فتاويه: يحتمل أن يقال لا ضمان، لأن السكران مخاطب بخلاف الصبي اه‍. وهذا ظاهر. وليس المراد برد الوديعة حملها إلى مالكها، بل يحصل (بأن يخلي بينه وبينها) فقط، وليس له أن يلزم المالك الاشهاد، وإن كان أشهد عليه عند الدفع فإنه يصدق في الدفع، بخلاف ما لو طلبها وكيل المودع، لأنه لا يقبل قوله في دفعها إليه. ولو كان الذي أودعه حاكما ثم طلبه فعليه أن يشهد له بالبراءة، لأنه لو عزل لم يقبل قوله، قاله الإصطخري في أدب القضاء. قال الزركشي: ويجئ مثله إذا كان المودع ينوب عن غيره بولاية أو وصية. ولو أودع شخص يعرف باللصوصية وديعة عند آخر وغلب على ظن الوديع أنها لغيره ثم طالبه بالرد هل يلزمه أو يتوقف فيه ويطلب صاحبها فإذا لم يظهر مع امتداد الزمان رده؟ احتمالان في البحر، والذي يظهر أنه ليس له امتناع لظاهر اليد. ولو بعث شخص رسولا لقضاء حاجة وأعطاه خاتمه أمارة لمن يقضي له الحاجة وقال: رده علي بعد قضائها فوضعه بعد قضائها في حرز مثله، لم يضمن إذ لا يجب عليه إلا التخلية لا النقل. ولو قال من عنده وديعة لمالكها: خذ وديعتك لزمه أخذها كما في البيان، وعلى المالك مؤنة الرد.
تنبيه: ما ذكره المصنف حيث لا شريك للمودع، فلو أودعه اثنان وجاء أحدهما يسترد نصيبه لم يدفعه إليه كما جزم به الرافعي، لأنهما أنفقا في الايداع فكذا في الاسترداد، بل يرفع الامر إلى الحاكم ليقسمه ويدفع إليه نصيبه.
واحترز بتفسير الرد بالتخلية عن رد الأمانات الشرعية، كثوب طيرته الريح في داره، فإن ردها بالأعلام بحصولها في يده. (فإن أخر) رد الوديعة بالمعنى المذكور (بلا عذر ضمن) لتعديه، فإن تأخر لعذر كصلاة وطهارة وملازمة غريم وأكل لم يضمن. هذا إن كان العذر لا يطول زمنه، فإن كان يطول كنذر اعتكاف شهر مثلا أو إحرام يطول زمنه، قال الأذرعي: فينبغي أن يقال إن تمكن من توكيل أمين متبرع يخلي بينها وبين ربها لزمه ذلك، فإن أخر ضمن، فإن لم يمكن ذلك فليرفع المالك الامر إلى الحاكم ليبعث إليه بعد ثبوت الايداع عنده أن يبعث معه من يخلي بينه وبينها، فإن أبى بعث معه الحاكم أمينا يسلمها إليه كما لو كان الوديع غائبا اه‍. ولو قال له المالك: أعط وكيلي فلانا وتمكن ضمن بالتأخير ولو لم يطالبه الوكيل، وكذا من يعرف مالك الضالة وما طيرته الريح. وإن أخر عن وكيل حتى يشهد عليه لم يضمن، لما مر أنه لا يقبل قوله في الرد إليه، أو ليعطي آخر وقد قال له: أعطها أحد وكلائي ضمن، فإن قال مع ذلك: ولا تؤخر فأخر عصى أيضا، فإن قال: أعط من شئت منهم لم يعص بالتأخير ولم يضمن في أحد وجهين
(٩٠)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 ... » »»
الفهرست
الرقم العنوان الصفحة
1 كتاب الفرائض 2
2 فصل في بيان الفروض وأصحابها 9
3 فصل في الحجب 11
4 فصل في بيان إرث الأولاد وأولادهم انفرادا واجتماعا 13
5 فصل في بيان إرث الأب والجد وإرث الام في حالة الأب 14
6 فصل في إرث الحواشي 17
7 فصل في الإرث بالولاء 20
8 فصل في ميراث الجد مع الإخوة والأخوات 21
9 فصل لا يتوارث مسلم وكافر 24
10 فصل في أصول المسائل وما يعول منها وقسمة التركة 30
11 كتاب الوصايا 38
12 فصل في الوصية بزائد على الثلث 46
13 فصل في بيان المرض المخوف ونحوه 50
14 فصل في أحكام الوصية الصحيحة 55
15 فصل في الأحكام المعنوية 64
16 فصل في الرجوع عن الوصية 71
17 فصل في الوصاية 72
18 كتاب الوديعة 79
19 كتاب قسم الفيء والغنيمة 92
20 فصل في الغنيمة وما يتبعها 99
21 كتاب قسم الصدقات 106
22 فصل في بيان ما يقتضي صرف الزكاة لمستحقها وما يأخذه منها 113
23 فصل في حكم استيعاب الأصناف والتسوية بينهم وما يتبعها 116
24 فصل في صدقة التطوع 120
25 كتاب النكاح 123
26 فصل: في الخطبة 135
27 فصل في أركان النكاح وغيرها 139
28 فصل لا تزوج امرأة نفسها 147
29 فصل في موانع ولاية النكاح 154
30 فصل في الكفاءة المعتبرة في النكاح 164
31 فصل في تزويج المحجور عليه 168
32 باب ما يحرم من النكاح 174
33 فصل: فيما يمنع النكاح من الرق 183
34 فصل في نكاح من تحل ومن لا تحل من الكافرات وما يذكر معه 186
35 باب نكاح المشرك 191
36 فصل: في حكم زوجات الكافر بعد إسلامه الزائدات على العدد الشرعي 196
37 فصل في حكم مؤن الزوجة إذا أسلمت الخ 201
38 باب الخيار والإعفاف ونكاح العبد 202
39 فصل: في الإعفاف ومن يجب له وعليه 211
40 فصل في نكاح الرقيق من عبد أو أمة 215
41 كتاب الصداق 220
42 فصل في الصداق الفاسد وما يذكر معه 225
43 فصل في التفويض مع ما يذكر معه 228
44 فصل في ضابط مهر المثل 231
45 فصل فيما يسقط المهر وما يشطره وما يذكر معها 234
46 فصل في أحكام المتعة 241
47 فصل في التحالف عند التنازع في المهر المسمى 242
48 فصل في الوليمة 244
49 كتاب القسم والنشوز 251
50 فصل في حكم الشقاق بالتعدي بين الزوجين 259
51 كتاب الخلع 262
52 فصل الفرقة بلفظ الخلع طلاق 268
53 فصل في الالفاظ الملزمة للعوض 271
54 فصل في الاختلاف في الخلع أو عوضه 277
55 كتاب الطلاق 279
56 فصل: في جواز تفويض الطلاق للزوجة 285
57 فصل في اشتراط القصد في الطلاق 287
58 فصل في بيان الولاية على محل الطلاق 292
59 فصل في تعدد الطلاق بنيه العدد فيه وغير ذلك 294
60 فصل في الاستثناء 300
61 فصل في الشك في الطلاق 303
62 فصل في الطلاق السني وغيره 307
63 فصل في تعليق الطلاق بالأوقات وما يذكر معه 313
64 فصل في تعليق الطلاق بالحمل والحيض وغيرهما 319
65 فصل في الإشارة للطلاق بالأصابع وفي غيرها 326
66 فصل في أنواع من التعليق 329
67 كتاب الرجعة 335
68 كتاب الايلاء 343
69 فصل في أحكام الايلاء من ضرب مدة وغيره 348
70 كتاب الظهار 352
71 فصل: في أحكام الظهار من وجوب كفارة الخ 355
72 كتاب الكفارة 359
73 كتاب اللعان 367
74 فصل: في قدف الزوج زوجته خاصة 373
75 فصل: في كيفية اللعان وشرطه وثمرته 374
76 فصل في المقصود الأصلي من اللعان 382
77 كتاب العدد 384
78 فصل في العدة بوضع الحمل 388
79 فصل في تداخل عدتي المرأة 391
80 فصل في معاشرة المطلق المعتدة 393
81 فصل في عدة حرة حائل أو حامل 395
82 فصل في سكنى المعتدة وملازمتها مسكن فراقهما 401
83 باب الاستبراء 408
84 كتاب الرضاع 414
85 فصل: في طريان الرضاع على النكاح مع الغرم بسبب قطعه النكاح 420
86 فصل في الاقرار بالرضاع والاختلاف فيه وما يذكر معهما 423
87 كتاب النفقات 425
88 فصل: في موجب النفقة وموانعها 435
89 فصل في حكم الاعسار بمؤنة الزوجة المانع لها من وجوب تمكينها 442
90 فصل في نفقة القريب 446
91 فصل في حقيقة الحضانة وصفات الحاضن والمحضون 452
92 فصل في مؤنة المملوك وما معها 460