تاريخ الإسلام - الذهبي - ج ٥ - الصفحة ٣٤
وخر ميتا، وقاتل مصعب بن عبد الرحمن حتى قتل، صابرهم ابن الزبير على القتال إلى الليل، ثم حاصروه بمكة شهر صفر، ورموه بالمنجنيق، وكانوا يوقدون حول الكعبة، فأقبلت شررة هبت بها الريح، فأحرقت الأستار وخشب السقف، سقف الكعبة، واحترق قرنا الكبش الذي فدى الله به إسماعيل، وكانا في السقف. قال: فبلغ عبد الله بن الزبير موت يزيد بن معاوية، فنادى بأهل الشام: إن طاغيتكم قد هلك، فغدوا يقاتلون، فقال ابن الزبير للحصين ابن نمير: أدن مني أحدثك، فدنا، فحدثه، فقال: لا نقاتلك، فائذن لنا نطف بالبيت وننصرف، ففعل.
وذكر عوانة بن الحكم، أن الحصين سأل ابن الزبير موعدا بالليل، فالتقيا بالأبطح، فقال له الحصين: إن يك هذا الرجل قد هلك، فأنت أحق الناس بهذا الأمر، هلم نبايعك، ثم اخرج معي) إلى الشام، فإن هؤلاء وجوه أهل الشام وفرسانهم، فوالله لا يختلف عليك اثنان، وأخذ الحصين يكلمه سرا، وابن الزبير يجهر جهرا، ويقول: أفعل، فقال الحصين: كنت أظن أن لك رأيا، ألا أراني أكلمك سرا وتكلمني جهرا، وأدعوك إلى الخلافة وتعدني القتل ثم قام وسار بجيشه، وندم ابن الزبير فأرسل وراءه يقول: لست أسير إلى الشام، إني أكره الخروج من مكة، ولكن بايعوا لي الشام، فإني عادل عليكم، ثم سار الحصين، وقل عليهم العلف، واجترأ على جيشه أهل المدينة وأهل الحجاز، وجعلوا يتخطفونهم وذلوا، وسار معهم بنو أمية من المدينة إلى الشام.
وقال غيره: سار مسرف بن عقبة وهو مريض من المدينة، حتى إذا صدر عن الأبواء هلك، وأمر على جيشه حصين بن نمير الكندي، فقال: قد دعوتك، وما أدري أستخلفك على الجيش، أو أقدمك فأضرب عنقك، قال: أصلحك الله، سهمك، فارم به حيث شئت، قال: إنك أعرابي جلف جاف، وإن قريشا لم يمكنهم رجل قط من أذنه إلا غلبوه على رأيه، فسر بهذا
(٣٤)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 ... » »»