الاحكام - ابن حزم - ج ٤ - الصفحة ٥٠١
وقالوا: لو كان الاجماع لا يكون إلا عن نص وتوقيف لكان ذلك النص محفوظا، لان الله تعالى قال: * (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) * فلما لم يوجد ذلك النص علمنا أن الاجماع ليس على نص.
قال أبو محمد: وهذا كلام أوله حق وآخره كذب. ونحن نقول: لا إجماع إلا عن نص، وذلك النص: إما كلام منه صلى الله عليه وسلم فهو منقول، ولا بد محفوظ حاضر، وإما عن فعل منه عليه السلام فهو منقول أيضا كذلك، وإما إقراره - إذ علمه فأقره ولم ينكره - فهي أيضا حال منقولة محفوظة، وكل من ادعى إجماعا علمه على غير هذه الوجوه كلفناه تصحيح دعواه، في أنه إجماع لا سبيل إلى برهان على ذلك أبدا بأكثر من دعواه، وما كان دعوى بلا برهان فهو باطل، فإن لجأ إلى ما لا يعرف فيه خلاف فهو إجماع، قلنا له: وهذا تدبير من الكذب والدعوى الأفيكة بلا برهان وتمام هذه المسألة إن شاء الله تعالى في باب بعد هذا - مفرد لبعض قول من قال: إن ما لا يعرف فيه خلاف فهو إجماع - ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فكيف وفيما ذكرنا ههنا من أنها دعوى بلا برهان كفاية.
قال أبو محمد: وإذا قد بطل كل ما اعترضوا به، فلنقل بعون الله تعالى على إيراد البراهين على صحة قولنا، قال عز وجل: * (اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء) * فأمرنا تعالى أن نتبع ما أنزل ونهانا عن أن نتبع أحدا دونه قطعا، فبطل بهذا أن يصح قول أحد لا يوافق النص، وبطل بهذا أن يكون إجماع على غير نص، لان النص باطل، والاجماع حق، والحق لا يوافق الباطل.
وقد ذكرنا قوله تعالى: * (اليوم أكملت لكم دينكم) * فصح أنه لا يحدث بعد النبي صلى الله عليه وسلم شئ من الدين، وهذا باطل أن يجمع على شئ من الدين لم يأت به قرآن ولا سنة، ويصح بضرورة العقل أنه لا يمكن أن يعرف أحد ما كلفه الله تعالى عباده إلا بخبر من عنده عز وجل، وإلا فالخبر عنه تعالى بأنه أمر بكذا، ونهي عن كذا كاذب على الله عز وجل إلا أن يخبر بذلك عنه تعالى من يأتيه الوحي من عند ربه فقط. وصح أيضا بضرورة العقل، أن من أدخل في الدين حكما يقر بأنه لم يأت به وحي من عند الله تعالى عن رسوله صلى الله عليه وسلم، فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله تعالى، وقد ذم الله تعالى ذلك وأنكره في نص القرآن فقال: * (شرعوا
(٥٠١)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 496 497 498 499 500 501 502 503 504 505 506 ... » »»
الفهرست
الرقم العنوان الصفحة
1 الباب الرابع عشر: في أقل الجمع 391
2 فصل: من الخطاب الوارد بلفظ الجمع 396
3 الباب الخامس عشر: في الاستثناء 397
4 فصل واختلفوا في نوع من الاستثناء 402
5 فصل: من الاستثناء 407
6 الباب السادس عشر: في الكناية بالضمير 412
7 الباب السابع عشر: في الإشارة 412
8 الباب الثامن عشر: في المجاز والتشبيه 413
9 فصل في التشبيه 421
10 الباب التاسع عشر: في أفعال رسول الله (ص) وفى الشئ يراه أو يبلغه فيقره صامتا عليه لا يأمر به ولا ينهى عنه 422
11 باب الكلام في النسخ وهو الموفي عشرين 438
12 فصل: الأوامر في نسخها وإثباتها تنقسم أقساما أربعة 440
13 فصل: في رد المؤلف على القائلين - وقد ذكر النسخ وارتفاع اللفظ المنسوخ: وهذا وجه من وجوه الحكمة 442
14 فصل: في قوله تعالى (ما ننسخ من آية أو ننسأها) 443
15 فصل اختلف الناس في النسخ على ما يقع أعلى الأمر أم على المأمور به؟ 443
16 فصل وقد تشكك قوم في معاني النسخ والتخصيص والاستثناء 444
17 فصل في إمكان النسخ ثم إيجابه ثم امتناعه 445
18 فصل فيما يجوز فيه النسخ وفيما لا يجوز فيه النسخ 448
19 فصل هل يجوز نسخ الناسخ 455
20 فصل في مناقل النسخ 456
21 فصل في آية ينسخ بعضها ما حكم سائرها؟ 457
22 فصل في كيف يعلم المنسوخ والناسخ مما ليس منسوخا 458
23 فصل ولا يضر كون الآية المنسوخة متقدمة في الترتيب والناسخة متأخرة فيه 465
24 فصل في نسخ الأخف بالأثقل والأثقل بالأخف 466
25 فصل في نسخ الشئ قبل أن يعمل به 472
26 فصل في نسخ القرآن بالسنة والسنة بالقرآن 477
27 فصل في نسخ الفعل بالأمر والأمر بالفعل 483
28 فصل في متى يقع النسخ عمن بعد عن موضع نزول الوحي 485
29 فصل في النسخ بالإجماع 488
30 فصل في رد المؤلف على من أجاز نسخ القرآن والسنة بالقياس 488
31 الباب الحادي والعشرون: في المتشابه من القرآن والفرق بينه وبين المتشابه وبين المتشابه في الأحكام 489
32 الباب الثاني والعشرون: في الاجماع وعن أي شئ يكون الاجماع وكيف ينقل الاجماع 494
33 فصل ثم اختلف الناس في وجوه من الاجماع 506
34 ذكر الكلام في الاجماع إجماع من هو؟ إجماع الصحابة أم الاعصار بعدهم وأي شئ هو الاجماع وبأي شئ يعرف أنه إجماع 509
35 فصل فيمن قال إن الاجماع لا يجوز لأحد خلافه 512
36 فصل وأما من قال بمراعاة انقراض العصر في الاجماع 513
37 فصل وأما من قال إذا اختلف أهل عصر ما في مسألة ما 515
38 فصل وأما من قال إذا اختلف أهل عصر ما ثم أجمع أهل عصر ثان على أحد الأقوال التي اختلفت عليها أهل العصر الماضي 515
39 فصل وأما قول من قال إن افترق أهل العصر على أقوال كثيرة 516
40 فصل فيمن قال مالا يعرف فيه خلاف فهو إجماع وبسط الكلام فيما هو اجماع وفيما ليس إجماع 529
41 فصل فيمن قال بأن خلاف الواحد من الصحابة أو ممن يعدم لا يعد خلافا وأن قول من سواه فيما خالفهم فيه إجماع 544
42 فصل في قول من قال قول الأكثر هو الاجماع ولا يعتد بقول الأقل 552
43 فصل: في إبطال قول من قال الاجماع هو إجماع أهل المدينة 552
44 فصل: فيمن قال ان الاجماع هو إجماع أهل الكوفة 566
45 فصل: في إبطال قول من قال أن قول الواحد من الصحابة إذا لم يعرف له مخالف فهو إجماع وإن ظهر خلافه في العصر الثاني 566
46 فصل: وأما من قال ليس لأحد أن يختار بعد أبى حنيفة الخ 572
47 فصل: وتكلموا أيضا في معنى نسبوه إلى الاجماع 579
48 فصل: واختلفوا هل يدخل أهل الأهواء في الاجماع أم لا؟ 580