الأصول الأصيلة - الفيض القاساني - الصفحة ٤٠
توقده، وبحرا لا يدرك قعره، ومنهاجا لا يضل نهجه، وشعاعا لا يظلم ضوؤه، وفرقانا لا يخمد برهانه، وبنيانا لا تهدم أركانه، وشفاء لا تخشى أسقامه، وعزا لا تهزم أنصاره، وحقا لا تخذل أعوانه، فهو معدن الايمان وبحبوحته، وينابيع العلم وبحوره، ورياض العدل وغدرانه، وأثافي الاسلام وبنيانه، وأودية الحق وغيطانه، وبحر لا ينزفه المستنزفون، وعيون لا ينضبها الماتحون، ومناهل لا يغيضها الواردون، ومنازل لا يضل نهجها المسافرون، وأعلام لا يعمى عنها السائرون، وآكام لا يجور (1) عنها القاصدون، جعله الله تعالى ريا لعطش العلماء، وربيعا لقلوب الفقهاء، ومحاج لطرق الصلحاء، ودواء ليس بعده داء، ونورا ليس معه ظلمة، وحبلا وثيقا عروته، ومعقلا منيعا ذروته، وعزا لمن تولاه، وسلما لمن دخله، وهدى لمن ائتم به، وعذرا لمن انتحله، وبرهانا لمن تكلم به، وشاهدا لمن خاصم به، وفلجا لمن حاج به، وحاملا لمن حمله، ومطية لمن أعمله، وآية لمن توسم، وجنة لمن استلام، وعلما لمن وعى، وحديثا لمن روى، وحكما لمن قضى، إلى غير ذلك من الاخبار وهي كثيرة ولعلنا نأتي ببعضها في مستأنف الكلام وعلى هذا فالمتشابه الممنوع من تأويله ما قطع وجزم بالمراد منه من غير دليل ولا شاهد بل بمجرد رأى واستحسان عقل كما قاله الفاضل الأردبيلي رحمه الله، أو يكون الممنوع منه جميع المتشابهات ولكن المنع انما هو لجمهور المتوسمين بالعلم دون الشواذ النوادر من الآحاد ممن ينطبق عليه اسم الراسخين في العلم في الجملة.
قال بعض علماء العامة (2) في تحقيق هذا المقام ما ملخصه:
ان قلت: كيف يجوز ان يتجاوز الانسان في تفسير القرآن المسموع وقد قال (ص):

١ - في بعض النسخ: " لا يجوز ".
٢ - المراد بهذا البعض هو حجة الاسلام محمد الغزالي ومأخذ التلخيص كلامه المفصل في احياء العلوم في كتاب آداب تلاوة القرآن في الباب الرابع المعنون بعنوان " الباب الرابع في فهم القرآن وتفسيره بالرأي من غير نقل " (انظر ص ٢٥٠ - ٢٤٦ من المجلدة الأولى من طبعة المطبعة الوهبية سنة ١٢٨٢).
فليعلم أيضا ان المصنف (ره) قد استفاد واخذ مطالب كثيرة من هذا المبحث للغزالي وأودعها المقدمة الخامسة من مقدمات تفسيره الصافي حتى أنه اخذ المطلب في غالب الموارد بعين تعبير الغزالي فان شئت فراجع.
وحيث نقلنا عن المصنف (ره) صدر كلامه فيما سبق (ص ٢٢) ينبغي ان ننقل شيئا من بقيته هنا وهو قوله في المقدمة الخامسة من الصافي:
" فنقول وبالله التوفيق: ان من زعم أن لا معنى للقرآن الا ما يترجمه ظاهر التفسير فهو مخبر عن حد نفسه ولكنه مخطئ في الحكم برد الخلق كافة إلى درجته التي هي حده ومقامه بل القرآن والاخبار والآثار تدل على أن في معاني القرآن لأرباب الفهم متسعا بالغا ومجالا رحبا قال الله عز وجل: أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها (إلى أن قال) فالصواب ان يقال: من أخلص الانقياد لله ولرسوله وأهل البيت واخذ علمه منهم وتتبع آثارهم واطلع على جملة من اسرارهم بحيث حصل له الرسوخ في العلم والطمأنينة في المعرفة وانفتح عينا قلبه وهجم به العلم على حقائق الأمور وباشر روح اليقين واستلان ما استوعره المترفون وانس بما استوحش منه الجاهلون وصحب الدنيا ببدن روحه معلقة بالمحل الاعلى فله ان يستفيد من القرآن بعض غرائبه ويستفيد منه نبذا من عجائبه وليس ذلك من كرم الله بغريب ولا من جوده بعجيب فليست السعادة وقفا من قوم دون آخرين وقد عدوا عليهم السلام جماعة من أصحابهم المتصفين بهذه الصفات من أنفسهم كما قالوا: سلمان منا أهل البيت، فمن هذه صفته لا يبعد دخوله في الراسخين في العلم العالمين بالتأويل بل في قولهم: نحن الراسخون في العلم، كما دريت في المقدمة السابقة فلابد من تنزيل التفسير المنهي عنه على أحد وجهين (فأخذ في بيان الوجهين فمن أرادهما فليطلبهما من هناك).
وليعلم أيضا ان المصنف (ره) بحث عن هذا المطلب بحثا مبسوطا في المحجة البيضاء في أحياء الاحياء (انظر ج 2 من طبعة مكتبة الصدوق، ص 260 - 250).
(٤٠)
الذهاب إلى صفحة: «« « ... 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 ... » »»